الصحفيون والثمن الباهظ للحقيقة المغيبة داخل المعتقلات الحوثية

الانباء  اونلاين – علي العقبي

بسبب الثمن الباهظ لحرية الكلمة والموقف، تواصل مليشيات الحوثي الانقلابية انتهاكاتها بحق الصحفيين المختطفين في سجونها منذ خمس سنوات، كان آخرها إحالتهم للمحاكمة لدى قاضِ موال لها، ويتعرضون لأشد أنواع الانتهاكات والتعذيب والتنكيل، مما تسبب بتدهور حالتهم الصحية وفقدان بعضهم القدرة على الحركة والسماع، وذلك جراء ما يتعرضون له من التعذيب الجسدي والإرهاب النفسي وسوء المعاملة في معتقلات الحوثيين، بحسب تقارير حقوقية محلية ودولية.

وترفض المليشيا الإفراج عنهم رغم المطالبات والمناشدات المتكررة، إلا أن مليشيات الحوثيين لم تستجب لمناشدات المنظمات الحقوقية والإنسانية بالإفراج عن الصحفيين المختطفين.

 يكذبون كما يتنفسون

لم تكتف مليشيا الحوثي بما قامت وتقوم به من جرائم التعذيب النفسي والجسدي للصحفيين، وإنما قامت بإحالتهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة.

وفي 9 يوليو 2019، قررت المحكمة الجزائية المتخصصة بقضايا أمن الدولة والإرهاب في صنعاء إعدام 30 شخصاً معتقلاً لديها بينهم سياسيون ونشطاء وإعلاميون.

وكانت أعلى سلطة قضائية في اليمن (مجلس القضاء الأعلى) أصدرت قراراً في وقت سابق ملخصه “عدم مشروعية المحاكم في مناطق سيطرة الحوثيين وما ينتج عنها من أحكام غير قانونية واعتبار ما يصدر عنها هو ممارسة الابتزاز وجباية الأموال فقط”.

وأكدت رئيسة رابطة أمهات المختطفين، أمة السلام الحاج، أن جماعة الحوثي وعدت الصحفيين بالإفراج عنهم بمناسبة المولد النبوي لكنها نكثت بوعدها.

وأوضحت -في تغريدة على تويتر- أن أسر الصحفيين المختطفين ظلت تنتظر تحقيق مليشيات الحوثي لوعودها بالإفراج عنهم، لكنها وبدلاً عن الوفاء بذلك، أحالت ملفهم للمحكمة الجزائية المتخصصة، مؤكدة أنهم “يكذبون كما يتنفسون”.

وبحسب بلاغات لرابطة أمهات المختطفين، فقد منعت مليشيا الحوثي الزيارات عن الصحفيين المختطفين في سجونها بالعاصمة صنعاء، كما منعت عنهم إدخال الدواء والغذاء في انتهاك صارخ لكل القيم والمواثيق الدولية والإنسانية.

وفي 27 نوفمبر 2018، أفادت “رابطة أمهات المختطفين اليمنيين” بأنها تلقت بلاغاً من أهالي الصحافيين المختطفين يفيد بتعرضهم للضرب المبرح بعد نزع ملابسهم، وتركهم لأكثر من أربع ساعات في البرد القارس، حتى أغمي على الصحافي صلاح القاعدي من شدة الضرب الذي تعرض له.

وفي 6 أبريل 2019، منعت مليشيا الحوثي الزيارات عن الصحفيين المختطفين في سجونها بالعاصمة صنعاء، كما منعت عنهم إدخال الدواء والغذاء، في الوقت الذي يعاني الكثير منهم من الأمراض المزمنة والخطيرة بسبب أساليب تعذيبهم في السجون وظروف المعتقلات الصحية السيئة.

وفي تصريحات سابقة، تقول صوفي أنموت، المسؤولة عن مكتب الشرق الأوسط في مراسلون بلا حدود: “بعدما حرمهم الحوثيون من الحرية تعسفًا لمدة أربع سنوات، واحتجزوهم في ظروف مروعة، تحت هول التعذيب، يواجه هؤلاء الصحفيون العشرة الآن خطر الإعدام”، مضيفة أن منظمة “مراسلون بلا حدود تطالب بالإفراج عنهم فوراً ودون قيد أو شرط”، كما دعت مراسلون بلا حدود إلى إسقاط التهم الموجهة إليهم.

صدى تناشد

تؤكد المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين (صدى) في عدة بيانات ومناشدات تدهور الحالة للصحفيين المختطفين لدى جماعة الحوثي وحرمانهم من الرعاية الصحية، نتيجة التعذيب الوحشي الذي تمارسه الجماعة ضدهم خلال سنوات الاحتجاز.

وفي تصريح خاص لموقع الإصلاح نت، يقول الصحفي يوسف حازب، رئيس المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين (صدى)، إن الصحفيين المختطفين المتبقين في السجون حوالي 18 أحدهم لدى القاعدة والبقية لدى جماعة الحوثي.

وأضاف: “هناك جهد تقوم به المنظمات الدولية والمحلية فيما يخص ملف الصحفيين المختطفين ووضع الصحافة في اليمن بشكل عام لكنه غير كافٍ”.

وقال رئيس منظمة صدى للإعلاميين اليمنيين بأن “قضية الصحفيين المختطفين قضية إنسانية ويجب التعامل معها من هذا المنطلق، ويجب أن يتم الإفراج عن المختطفين من زملاء المهنة جميعا دون أي شرط أو قيد، وأن الوضع الإنساني والصحي للزملاء المختطفين متردٍّ وسيئ للغاية ويجب أن ينالوا حريتهم”. وحمل حازب مليشيا الحوثي المسؤولية الكاملة عن حياة الصحفيين المختطفين واستمرار تدهور أوضاعهم الصحية والإنسانية.

وأضاف حازب: “نتابع قضية الصحفيين المختطفين كأولوية ونقوم بكل الوسائل الممكنة في سبيل إيصال صوتهم للمجتمع الدولي والمحلي لكن نحن بحاجة إلى تظافر الجهود جميعها من أجل إنجاز الملف بشكل أسرع، فبعد خمسة أعوام من الاختطاف لعشرة صحفيين ما زالوا يقبعون في سجون الحوثيين فإنه من التفريط أن نتقاعس عن التصعيد في العمل الحقوقي حتى ذروته وهو واجب إنساني يحتمه علينا واجب المهنة وحق الزمالة”.

وكانت منظمة صدى قد أكدت في بيان لها، الأربعاء الفائت، أن مليشيات الحوثي تحاول استغلال القضاء مجدداً في خدمتها وتهديد الحريات الصحفية وحياة زملائنا الصحفيين المختطفين من خلال إصدار أحكام بلافتات قانونية.

ودعت صدى في بيانها المبعوث الأممي إلى اليمن مارتن غريفيث للضغط على مليشيا الحوثي للإفراج الفوري عن الصحفيين المختطفين، محملةً المليشيات الحوثية المسؤولية الكاملة عن تدهور الحالة الصحية لهم جراء التعذيب.

تعذيب الصحفيين

وفي مايو 2018، كشف تقرير حقوقي تحت عنوان “ثمن الخذلان” أصدرته منظمة “صدى” بأسماء تسعة مسؤولين ممن تورطوا في تعذيب الصحفيين، أحدهم مقرب من زعيم مليشيا الحوثي، في معتقلات مليشيا الحوثي في صنعاء وذمار، وعن المواقع التي يتواجدون فيها.

المسؤولون عن تعذيب الصحفيين هم: يحيى علي الهميل المكنى أبو علي، وعبد الخالق المطري، وهاني السريحي. وهؤلاء كانوا يعذبون الصحفيين في سجن هبرة، وعلي الحوثي ويحيى سريع في سجن الأمن السياسي (المخابرات).

كما رصد التقرير الذي رصدته منظمة صدى للإعلاميين اليمنيين “تورط علي الحوثي مشرف الحوثيين في الأمن السياسي وأحد المقربين من زعيم المليشيا، وآخر يعمل مشرفاً للحوثيين في الدائرة العاشرة بصنعاء يكنى أبو حمزة، بتعذيب الصحفيين في الأمن السياسي، وأبو فاضل في قسم الجديري، وعادل يحيى مطهر المكنى أبو عبد الملك في سجن هران بذمار، وخالد قائد الطيري المكنى أبو خالد في سجن هران بذمار”.

ورصد التقرير 25 نوعا من أساليب التعذيب التي تعرض لها الصحفيون، من أبرزها التعليق على الأيدي والأرجل، والصعق الكهربائي، والتعليق على شكل صليب، والسجن الانفرادي، وتنفيذ حالات إعدام وهمية، والتهديد بسجن عوائلهم، والحبس مع مختلين عقليا، والضرب بالسلاسل.

*- ما يتعرضون له في الزنازين الحوثية*

يقول الصحفي أكرم توفيق، وهو مختطف سابق لدى مليشيات الحوثي، في تصريحات خاصة لموقع الإصلاح نت، إن ‏الحوثية حركة ذات طابع ديني وطائفي معقد، ولها صبغة تجهيلية مغلقة وطبقية تمايزية، فعندهم فقط تجد السادة والعبيد، لذلك لا مجال في مربع حكمهم ومعتقدهم مساحة للرأي والرأي الآخر، فهم جماعة تصدر العبودية وتقمع الأحرار ورواد الكلمة.

وأضاف: “جماعة قمعية مسلحة سعت لتجريم مهنة الصحافة وإطلاق تعليماتها المتعجرفة صوب الأقلام الحرة ورجالها تحريضا وانتقاما.. بالتأكيد لم توجعهم بعد كل تلك الضربات التي تلقاها صبيانهم في الجبهات سوى الرصاصات المدوية التي فضحت شعوذتهم وبأنهم لم يكونوا سوى كهنة سرعان ما انكشف دجلهم وخداعهم ومكرهم على تلك الفئة المستضعفة من بسطاء أبناء هذا الشعب”.

وعن زملائه المختطفين الذين لا زالوا يقبعون في سجون الحوثيين، يقول أكرم توفيق: “هناك جرح غائر في قلبي أخطه بدمي وأدونه بقلمي فلا أزال في عتمة الفقد وعزلة الشوق مشدود الأضلاع مشتت الفكر حائر البال.. صلاح والعناب، حسن وحارث، توفيق وعمران..

كنت معكم ذات مساء وتمردت عليكم بفعل دعوة أجيب لها فانكفأت على سجنكم.. أخرجني الله لهذا الظلام واصطفاكم نورا نستضيء به في حالك السواد الذي تسلطت علينا أشباكه فأوقعتنا بلا أمل”.

يتذكر معاناته وزملاءه

ويوضح الصحفي أكرم توفيق تعسفات مليشيات الحوثي بحق المختطفين بقوله: “أتذكركم جيدا وأنتم تسلسلون ميلاد كل فجر وغروب شمسه انتظارا للفرج وانتصارا للقضية.. أسمع توجعكم في كل سجدة وأنينكم في كل ليلة خلسة تحت أستار الظلام”. ويسرد أكرم توفيق: “أرمق الكبرياء المتساقط على جبين كل حر يأبى المصادرة حد الحتف.. ليتني لم أخذلكم في هروبي حينها، بيد أني أزعم رغبتكم في رحيلي تجليا لعاطفتكم وإنسانيتكم ورأفتكم لمصابي”.

ويضيف: “كان مرضي وألمي يزيدكم حسرة وإيلاما.. اليوم وأنا صحيح معافى أندب الحظ العاثر الذي صرنا نعيشه يا رفاق.. ألف داء بلا دواء، فالعبث والفساد والعنصرية والمناطقية والمحاباة عناوين عريضة أفسدت حلمنا وأجهضت مولودنا (فبراير)، وعلى قدم ونصف ساق وسارية يركل أحرار الوطن في صعيد الجمهوية لثبيت أركانه المتهالكة بفعل الفارسي وفرسان السلطة ويصدهم من الخلف حابس ومانع.. فحسبكم ما أنتم فيه من رباط وخيرية وحسبنا مبتلانا”.

وزارة الإعلام و قضية الصحفيين 

قال وكيل وزارة الإعلام عبد الباسط القاعدي -في تصريحات خاصة لموقع الإصلاح نت- إن قضية الصحفيين المختطفين مثل قضية كل المختطفين ليست ملفا خاصا بوزارة بعينها وإنما ملف يعد من أهم الملفات التي يفترض بالدولة والحكومة الشغل عليه وإيلاءه أهمية خاصة.

وأضاف وكيل وزارة الإعلام: “حظيت قضية الصحفيين المختطفين باهتمام خاص من قبل قيادة وزارة الإعلام وتم حمل ملف الصحفيين إلى كافة المحافل الدولية وعرض ما يتعرض له الصحفيون المختطفون أمام الرأي العام المحلي والدولي وتم تنظيم عدد من الفعاليات والمؤتمرات الخاصة بعرض قضية الصحفيين المختطفين وكذا تقديم ملفات عن الانتهاكات التي يتعرض لها الصحفيون للجهات والمنظمات المهتمة بالحريات”.

وأكد القاعدي أن وزارة الإعلام حرصت على إجراء مقابلات مع الصحفيين المختطفين الذين تم الإفراج عنهم من قبل الوفود الصحفية والإعلامية التي زارت محافظة مأرب، وكذا اللقاء برابطة أمهات المختطفين وأهالي الصحفيين المختطفين الذين يسكنون بمأرب.

وأضاف: “سلطت وسائل الإعلام الرسمية الضوء على قضايا الصحفيين وبخاصة المختطفين، كما يحرص وزير الإعلام معمر الإرياني على عرض قضية الصحفيين المختطفين أثناء لقاءاته بالسفراء والوفود الصحفية وأثناء زياراته لوسائل الإعلام وفي أحاديثه بالفضائيات”.

وعن صرف مستحقات للمختطفين، أكد وكيل وزارة الإعلام أن الوزارة سعت من خلال الحكومة وبالتعاون مع رابطة أمهات المختطفين لاعتماد مساعدات شهرية لكافة المختطفين ومن بينهم الصحفيون، وبالفعل أقرت بتوجيهات رئيس الوزراء السابق الدكتور أحمد عبيد بن دغر وبدأت وزارة المالية بالصرف لكن يبدو أن الصرف تعذر بسبب الإجراءات الروتينية.

يُذكر أن الصحفيين العشرة المختطفين هم: توفيق المنصوري، وعصام بلغيث، وحسن عناب، وهشام طرموم، وهشام اليوسفي، وهيثم الشهاب، وأكرم الوليدي، وحارث حميد، وعبد الخالق عمران، وصلاح القاعدي.

وطالبت الحكومة اليمنية، الأربعاء الماضي (13 نوفمبر 2019)، الأمم المتحدة بإيقاف “المحاكمات التعسفية وغير القانونية” التي تقوم بها جماعة الحوثيين بحق الناشطين الحقوقين والصحفيين وأعضاء البرلمان والنساء.

جاء ذلك في خطاب وجهته وزارة حقوق الإنسان بالحكومة اليمنية إلى أمين عام الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بحسب وكالة “سبأ” الرسمية.

ودعت الحكومة إلى ممارسة الضغط على مليشيات الحوثي الانقلابية وإيقاف تلك المحاكمات التعسفية باعتبار أن القضاء في هذه المناطق يفتقد الاستقلالية والمشروعية.

كما طالبت الأمم المتحدة باستخدام سلطاتها الإنسانية والأممية لإيقاف تلك المحاكمات وإطلاق سراح كل الأسرى والمختطفين والمخفيين قسريا من المدنيين وفقا لاتفاق ستوكهولم وقرارات مجلس الأمن.

وبين الحين والآخر تقيم جماعة الحوثي، التي تسيطر على العاصمة صنعاء وعدد من المحافظات اليمنية منذ أكثر من خمسة أعوام، محاكمات بحق العشرات من المناهضين لها في المجتمع المحلي بينهم صحفيون، وناشطون، وحقوقيون، وسياسيون.

المصدر : الإصلاح نت

تابعنا في Google News

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: