الانباء اونلاين ينشر الفصل الـ8 من رواية ” الخوثي ..نقطة فوق الحاء” للكاتب سام الغباري

الانباء اونلاين – متابعات :

صوت سمعتُه من قبل ينادي “شاهين.. شاهين “، كنتُ أطوف صنعاء من شارع الزبيري إلى باحة باب اليمن، جولة 45، الالتفاف يمينًا عبر طريق إسفلتي يُفضي بي إلى ميدان السبعين، ثم يسارًا، شارع الخمسين.

صُور “حسين الحوثي” ترتفع لأول مرة في سماء صنعاء، على أعمدتها، شعارات الصرخة “الله أكبر. الموت لأميركا. الموت لإسرائيل. اللعنة على اليهود. النصر للإسلام” تُلطّخ جدران المدارس والمستشفيات، تحت الجسور، وفوق أبنية منطقة حزيز جنوبًا، والجراف شمالًا، صُنِعت شعارات مُصغرة بحجم الكف تُلصق على واجهات الجنابي. رجل الأعمال الغراسي أمر عُمّاله بطباعة نصف مليون كيس دعائي يحمل شعار الصرخة، تكفلت لجان أنصار الله بتوزيعه في الأماكن العامة وصالات المناسبات، كل شيء في تلك الأيام الصنعانية كان ثوريًا، الشمس أيضًا كانت ثائرة بدرجة حرارة تصل إلى 38 مئوية، الأغبرة تتطاير في الهواء بعدوانية تنثر ذراتها على العيون.

سائقي النحيل بجسد كقصبة يابسة من بلاد رازح، يتذكر معارك اللواء “علي الجائفي” في الحربين الخامسة والسادسة، يشرح تفاصيل “عدوان الجيش” والقبائل على المجاهدين، فقد اثنين من عيال عمّه أيّدوا الجيش، قال إنَّ المجاهدين أخذوا بثأر زملائهم خلال شهور الهدنة “إنها الأوقات المناسبة لتصفية الخصوم في أعماق صعدة”. أدرتُ وجهي نحوه وسألته مباشرة “بمَ شعرت حينذاك؟”، أخرج رأسه من النافذة.

نفث نخامًا سائلًا تطاير في الهواء، وتلى آية من القرآن (قال رَبِّ بما أنعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أكونَ ظَهيرًا لِلْمُجْرمينَ). مسحتُ رأسه بباطن كفي اليسرى، وقلتُ مُشجّعًا “أحسنتَ!”.

حين سمعتُ ذلك الصوت ينادي، كنت أخطو بقامة فارعة عتبات باب مطعم الشام بشارع الخمسين، يطوِّقني خمسة مرافقين شعث غُبر لا يعصونني ما أمرتهم. همسات رواد المطعم، عيونهم، رؤوسهم تلاحقنا، تدور معنا حيث دُرنا. تترصدنا بفضول لا يشبع.

وجودنا كـ”حوثيين”، أشكالنا، لباسنا، لهجتنا، شيء غريب في عاصمة لم تعتد هذا النوع من الطوفان القادم من الشمال. شاهدته يقترب، شاب في أوائل العقد الثالث من العُمر، أكل البرَص جزءًا من وجهه وأصابعه، بشرته قمحية، وأنف مستدير، أسنان بيضاء متراصة بعناية وبقايا شارب نتفه بأصابعه. حين رأيتُه عرفتُه، صافحتُه بود، ربما عانقته -لا أتذكر-، إنه “عبدالحليم المرتضى”، صديق قديم، منذ طفولة غضّة، كان الأول على الصف في سنوات التعليم الأساسي والثانوي، يحمله سائق والده “الحاج سميح” إلى المدرسة عند شفق كل يوم.

أول مَن يحضر وآخر المغادرين، لم يفتر يومًا، لم يتراجع عن موقعه الأول. مدير المدرسة الذي ينتمي إلى عائلة هاشمية كان يُقرّبه إليه، حين يخاطبه يُوقّره، يقول: كيف ابنُ سيدي؟، وإذا ما تعثر به صُدفة بين أروقة الصفوف يُحمّله تحيات حارة خاصة إلى والده.

ذات ربيع، حين تخضرُّ الحقول وينشغل الزُرّاع بزرعهم وقطافهم، وبينما كُنت أبتاع لنفسي وجبة صباحية من مقصف المدرسة “خبزًا محشوًا بالفول والطعمية. قارورة سينالكو غازية”.

رأيته واقفًا على بُعد خطوات يراقب الطلبة بذراعين معقودتين على صدره. ناديته وابتعتُ له مثل فطوري، تنحنح متعذرًا بحرج قليل: أنا لا آكل الفول. أهااا، وماذا تأكل؟ برقت عيناه في خفوت وأردف: كِبدة. تلك اللحظة تلبّسني كرم القبيلة فمنحته ما تمنّى.

حين رأى الخبز دافئًا بين أصابعه ورائحة الكِبدة المُقطعة كالبنان المرصوص، شهقت روحه، توسّع بؤبؤ عينيه، ارتعشت عضلات وجهه. التهمها بشهوة داعرةٍ في فيلم إباحي، قضم أطرافها بحنان ولسانه يدور حول شفتيْه وشدقيْه مُصدرًا آهة مكتومة حارة من أعماقه. حين انتهى من نصفها، استدار نحوي بعينين غامضتين، سألني: ماذا تأكل؟.

“فول وطعمية”

تعلّقت على طرف شفته بسمة ساخرة، هزّ رأسه متفهمًا: أيوه. طعام القبائل!

– لم أفهم قصدك.

أصدر زفرة حارة، رفع رأسه إلى الأعلى، نحو شجرة قديمة في فناء المدرسة منذ أيام التشجير، وثبات عصفور نشط يتقافز بحيوية من غصن إلى آخر، حفيف هواء رطب يهز أوراقها بلطف، قال: وظيفتكم في الحياة كأبناء قبائل هي “خدمة السيد ومحبته”، لمعت عيناه، وتبدّلت لهجته، صوته، نبرته، تحدث كمن يُكلم نفسه “ألا ترى السادة مظلومين في كل مكان؟! خاصمنا النواصب والحاقدون أنصار بني أمية، خاصموا نسل النبوة ووضعونا في مكانة واحدة مع بقية الناس وعامتهم”

هزّ كتفيه بحسرة وأضاف “خرجوا عن تعاليم الله وأوامره فقطعوا علينا الخُمس لإرغامنا قبول الصدقات المحرَّمة علينا، أرادوا إذلالنا في العيش وإفقارنا، كما فعل أبوبكر بفاطمة الزهراء حين أخذ عليها عنوة أرض فدك، مُتحججًا أنَّ الأنبياء لا يورَّثون. هذا الخطّ وهذا النهج الشيطاني مايزال في صراع مع العترة المطهرين إلى يومنا هذا”. اعتصر بأصابعه النصف الباقي من الخبز المحشو بالكبدة الطازجة، بدا متألمًا، غاضبًا، حزينًا.

وكنتُ جالسًا كالمبهوت الغبيِّ لا أعي قوله وإيماءاته ولا متى حفظها وتعلمها ومن علّمه مواقفَ وقضايا لم تكن مذكورة في كتب المنهج؟!. شيء ما في داخلي كان يأبى منطقه وبراعة تسويقه لمظلمة مُثيرة للجدل، لا أعرف “ماهي أرض فدك” وأين تقع؟ ولا ما جرى حقيقة بين أبي بكر وفاطمة وما الذي يعنيه الخُمس؟، سألتُه “هل تعني أنك أنت شخصيًا مخلوق مميز؟”، ارتفع صوته بحماس مُحاور تدرّب جيدًا: لا.. ليس هكذا بهذه الطريقة الشخصية، أقصد أنَّ آل البيت أصلًا يجب أنْ يكون لهم مكانة مميزة بين المجتمع كما كانوا مميزين، وكما اصطفاهم الله، ومَن يعترض على ذلك فإنما يقول ما قاله إبليس لربه حين عصى اصطفاءه لآدم، ويفعل كما فعل أبو جهل وغيره من المشركين الذين رفضوا نبوءة “جدّي” محمد واصطفاءه من بني هاشم”

استدركتُ متهكمًا: ومن المشركين أبولهب وهو من بني هاشم وجدّك أيضًا!.. أجاب ببديهة حاضرة كمن يقرأ من كتاب للرد على الأسئلة الشائعة “قال تعالى: (لا ينال عهدي الظالمين)، قطع الحديث صوت صفارة انتهاء الراحة، ابتلع ماتبقى من وجبته كتمساح، برزت أنيابه وأبان فكًا ضخمًا، كرع إلى جوفه قنينة المشروب الغازية كاملة، ثم تجشأ بصوت أفزع العصفور وأجبره على الابتعاد، وبينما كُنّا نهمُّ بالنهوض، طرقتُ ظهره مرتين “يهنأ”

لم يُعلّق، كان منشغلًا بحمل حقيبته على ظهره، قلتُ معترضًا: ألم تمر عليك كلمة شكرًا!، ابتسم بخبث وأصابعه تُسوي الحقيبة على ظهره مُعلقًا “كيف أشكر شخصًا أعطاني شيئًا من حقي عليه كسيِّد؟!”، وضحك مُبتعدًا، اختفى في الرواق، جلس في الصف الأول، وصوت معلم الصف يشرح تاريخ الثورة الفرنسية!

هزّتني ضربة خفيفة على ذراعي، قذفتْ بي من زمن صعدة ومدرسة حسان بن ثابت إلى قلب صنعاء، سمعتُه يهذي بكلمات عن “السيد عبدالملك”، يسألني “تتغدوا معنا”، قبل أنْ أفارقه مُعتذرًا، مال برأسه نحوي وهمس: ألم أقل لك إنَّ المسيرة القرآنية لا بُد أنْ تنتصر وإنَّ حزب الشيطان وأهله هم الخاسرون؟.

قلتُ مُعلقًا: (ويأبى الله إلا أنْ يُتِمَّ نورَه وَلَوْ كَرِهَ الكافِرونَ). شدّ أصابعي بأصابع غليظة يغالبها البرَص ونشبت أظافره المتسخة بمعصمي، ثم غادر نحو مائدته، وصعدتُ بحرسي إلى الطابق العلوي.

قبل عشرة أيام، طافت أرجاء صنعاء مسيرات ضخمة، كثافة مهولة رفعت شعار “لستَ الشعب ياحوثي”. انتقل حماس الرفض إلى محافظات أخرى مثل، ذمار، عمران، المحويت، حجّة، إب. في تعز لم يبق مخلوقٌ يمشي على اثنتْين أو أربع في منزله.

كل الكائنات خرجت، شاركت، رفضَت بغضب “غزو صنعاء”، بعد ذلك بيوميْن، قطع الحوثيون الطريق المؤدي إلى المطار، خرجت سبع قوافل مسلحة من حيّ الجراف للمطالبة برحيل حكومة “محمد سالم باسندوة”، وصفوه بـ “الدُمية” في أصابع حزب الاصلاح وقوى الإرهاب. عبدربه منصور هادي استقبل وفدًا من الناشطين، قال بثقة: لن أرحل عن صنعاء، سأحميها بنفسي وأولادي.

بضعة منهم جلسوا إلى الرئيس في مقيل العصر، ناشط غضوب قال له: يجب أنْ تُعلن التعبئة العامة على الملأ، وانحدر صوته فجأة إلى الذُعر: الحوثيون قادمون.

فزّ هادي في وجهه وأسكته بإشارة من يده. التقط قنينة ماء حدّة، رشف رشفتين، مسح شفتيه، ثم استند إلى الجدار وعلى متكئه ونهض، غاب في الرواق، بعد دقائق عاد مُحمًلا بملف كرتوني أصفر، أشار إلى الناشط ليقترب، ابتلع المسكين ريقه، تقدّم متحرجًا، انحنى على الرئيس الذي بدأ يُقلّب أوراق الملف، وبصوت مطمئن تحدث وأصبعه تشير إلى خرائط مُصورة: هذه كل مواقع الحوثيين المسلحة، مخازنهم، عتادهم، أسلحتهم. كل شيء موجود ومحفوظ ومعلوم، أول ما يتجرأون على دخول صنعاء سيضرب الطيران. ثم رمش عينيْه هامسًا “الأميركان وعَدوني بذلك”.

المبعوث الأممي”جمال بنعمر” كان قد حطّ رحاله في صنعاء، فُتحت له المعابر المُغلقة، اتجه من فوره إلى منزل الرئيس، الناشطون غادروا لتوِّهم، “بنعمر” القادم من ريف الناظور المغربية، راقب رُقعة شطرنج بداخل مكتب عبدربه منصور هادي الخاص، في المنتصف بين مقعده وأريكة الرئيس، توقفت أحجارها في جولة لم تُحسم نتائجها، البيدق الأسود كان قريبًا من الملك الأبيض، أثارت الخيلة انتباه بنعمر، حَسَبها في رأسه، عدّ النقلات والمربعات.

تبسّم ثم رفع رأسه إلى الرئيس ناصحًا “فخامته” تغيير الحكومة “توازنات المشهد السياسي تؤكد أنَّ الجميع بات على مسافة واحدة، المؤتمر والإصلاح وأنصار الله”، طرقع أصابعه، هنا يتخلص الرئيس من ابتزاز “قوى الثورة والقوى التقليدية” والتفرغ لبناء اليمن الاتحادي.

أراح بنعمر ذراعه على صدره وقد اكتسى صوته جدّية بالغة “الأمين العام للأمم المتحدة أبلغني رسالة شفهية إلى فخامتكم عن استعداده تقرير العقوبات التي ترونها مناسبة بحق الشخصيات والمؤسسات المعرقلة للعملية السياسية في بلادكم”. ذكّره “هادي” بفخر أنه الرئيس الأول والوحيد بين كل رؤساء العالم، واليمن البلد الاستثناء في كوكب الأرض التي اجتمع في عاصمتها مجلس الأمن لأول مرة في تاريخه.

راق لبنعمر هذا التنبيه، وأردف متحمسًا “ماذا يعني هذا فخامتكم؟” وأجاب على نفسه “يعني أنَّ العالم كله معكم، وأنَّ صنعاء محروسة بعين الأمم المتحدة، ولا ننسى أنَّ اليمن مُدرجة ضمن البند السابع؛ وهذا يعطيكم القوة والأفضلية في منع أيِّ تجييش مُعادٍ لشرعية فخامتكم من أيِّ فصيل عسكريٍّ سواءً كان من الحرس الجمهوري، أو الفرقة الأولى مدرع”.

جمال بنعمر في عُمره الذي تجاوز الستين لم يكن قلقًا من فشله، كان يُعبّر بثقة عن حدوث مُعجزة على يديه، إنه الرجل الذي نجح في إزاحة الرئيس علي عبدالله صالح.

كان ذلك كافيًا له كمبعوث أمميّ. مهمته انتهت، إلا أنه لم ينتهِ بعد، كان قد نسج بدهاء خيوطًا جديدة للعبة أخرى خارج سياق وظيفته كـ “مُيسّر”، انحاز في الساعات الأولى لتوقيع المبادرة الخليجية إلى “قوى الثورة”، قال في احتفال التوقيع كلمات قاسية في حقٍّ الرجل الذي أمسى نصف رئيس. حشد الأمم المتحدة خلفه، وحمل بيده القرارات الجمهورية إلى المبعدين من وظائفهم من خاصة صالح وأقاربه، هدّدهم بالعقوبات الدولية وملاحقتهم كمجرمين، أدار صفقات التغيير بمهارة استغلت انشغال صالح في بناء تحالفات جديدة.

* * *

بداخل جناحه الخاص بفندق “موفنبيك” كانت أمُمٌ تدخل وأمُمٌ تخرج، سيل من السياسيين والمفكرين والكُتّاب، حين أبدى مراسل صحيفة الشرق اليمنية استغرابًا ذكيًا في غرفة “جال بنعمر” وسأله: كيف يمكن لقوة مُسلحة مثل الحوثيين ولديها عقيدتها العنصرية أنْ تشارك حصريًا عن أبناء صعدة وتتسلم ملف قضيتهم في مُحددات قضايا مؤتمر الحوار الوطني؟ أحسَّ المراسل في آخر حروف سؤاله استحسانًا غامضًا لم تُعبر عضلات وجه جمال بنعمر عنه بوضوح، لكنه أحسَّ ذلك، دماغه كان متحمسًا لإلقاء سؤال إضافيٍّ.

قال: وكيف يمكن الاطمئنان إلى الحوثيين وآلتهم العسكرية تطحن قرى دماج وتهدد الجوف وتُصفي كل خصومها في صعدة في الوقت الذي يُرسلون مجموعة من المهرجين لإلقاء محاضرات عن الديمقراطية والدولة الطبيعية، و..

قطع بنعمر سيل استغرابه بسؤال: ما الذي تريده؟، ارتبك المراسل وأعاد رأسه إلى الوراء قليلًا، لم يكن يتوقع أنْ ينتقل إلى موقع الدفاع فجأة، ذلك السؤال أربكه، ثم ألقى منفعلًا إجابة أطاحت به خارج قائمة المدعوين الدائمين إلى وكر المبعوث، قال: عليهم أنْ يسلّموا السلاح ويشكلوا حزبًا ويتقدموا للتعبير بكل أدب عن مطالبهم. لم يُعلق جمال بنعمر، لم يكن مضطرًا، كان يعرف ذلك السؤال وريبته، كان قادرًا على تحليل معاني الذعر في حروف قائليه، يرى جفاف حناجرهم، وارتعاشة أجفانهم وأرق لياليهم، لأجل ذلك لم يكن صالونه يخلو من صوت مؤيد، صوت جامح.

في تلك الخُلوة، على مقربة من نافذة ضخمة تكشّفت من وراء زجاجها اللامع مآذن جامع الصالح الخمس كان “عبدالباري طاهر الأهدل” نقيب الصحافيين الأسبق جالسًا، من أجل ذلك لم يُجب المبعوث ولم ينتظر طويلًا، نهض النقيب متوترًا من كُرسيه، مدّ ذراعًا داكنة ضربها صقيع خيام الثورة حتى تشققت كخرطوم فيل، نثر رذاذ لعابه على المراسل، صاح بانفعال “وهل تريد أنْ تُعيد علي صالح وعلي محسن وعصابة الحُكم مرة أخرى ليكرروا حربهم على صعدة من أجل نفوذهم؟” ورفع “عبدالباري” رأسه إلى أعلى، إلى السقف، هز رأسه بعنف مُكررًا “لا لا، ولا في أحلامكم!، هذه العصابة التي لم نصدق أننا تخلصنا منها لن تعود، نحن أمام توازنات جديدة، ومعالم حرية وآفاق وطن جديد، وطن حقيقيّ لاظالم فيه ولا مظلوم” ونقر صدغه الأيمن برؤوس أصابعه قائلًا “اعقلوا”.

الرئيس هادي سأل بنعمر ليلة 12 سبتمبر 2014: “ماذا يريد الحوثيون”؟

– يريدون تشكيل حكومة جديدة، ويؤكدون أنهم لا يريدون أنْ يكونوا طرفًا فيها هم أو أحد أعضائهم.

سألة الرئيس مرة أخرى: ماذا تقترح أنت؟
– الحكومة هي الحلُّ الأمثل لاستيعاب كلِّ الأطراف.
سأله هادي أيضًا: ماهي الحصص الأمثل للحقائب الوزارية؟
– سيتقلص وزراء علي عبدالله صالح، ونمنح حزب الحق مقاعد أكثر.
– مَن طلب ذلك؟
الحوثيون؟
ضحك الرئيس.. ما الفرق إذًا، ما الفارق بين حزب الحق وأنصار عبدالملك؟.

بادله جمال بنعمر ضحكة مكتومة ولم يُعلّق، قبل أنْ يغادر مكتب الرئيس ومنزله، التقطت أصابعه خيلًا أسود على رقعة الشطرنج، أربع نقلات. سقط الملك، نفض يديه ممازحًا: الآن انتهت المعركة.

بعد أربعة اشهر، حاصر الحوثيون منزل الرئيس عبدربه منصور هادي، حاولوا إرغامه على تعيين نائب له وقائمة طويلة من القيادات العسكرية والأمنية، صعد صالح الصمّاد وعشرة مسلحين إلى غرفة الجلوس في الطابق الثاني، وضعوا مسدس جلوك أميركي فوق رقعة شطرنج مطوية إلى أسفل، قال أبوعلي الحاكم بصوت بارد كالجليد إنَّ أمامه مهلة 24 ساعة فقط. حين غادروا لم يكن الرئيس يملك هاتفًا، سُحبت كل الهواتف وقُطّعت خطوط التلفون الأرضي.

الرئيس البالغ من العمر 72 عامًا أصيب بغشية مؤقتة، أفاق بعدها على صوت فيصل علوي يُغني في قناة آزال “شنشني شنشني، يامطر رشني”، سأل نفسه مَن أشعل التلفاز؟، خطى بتثاقُل نحو مكتبه، تصفَّح قائمة المطالب الحوثية. صالح الصماد نائبًا لرئيس الجمهورية. طه المداني وزيرًا للدفاع، عبدالكريم الحوثي وزيرًا للداخلية.. سبعون اسمًا ومنصبًا.

لم يكونوا بانتظار شيء سوى إمضائه، جرّة قلم. تعيين نائب له يعني استخدام شرعيته كقفاز لنهب كل شيء وتغيير كل شيء، تذكر حسني مبارك، عمر سليمان، النائب أطاح بالرئيس، غمغم “لن أسمح بحدوث ذلك!”، الرئاسة التي لم يكن هادي يطمح لها، وجاءته كقدر، لن يجعلها هانئة لمن أداروا الانقلاب وتآمروا عليه. سأل نفسه “أين السفير الأميركي؟ لم أنا معزول هكذا؟ لماذا لم يتدخل أحد كما وعدني بنعمر. آه هذا القحبة”.

أحسَّ حرقة في حنجرته، بصق على الجدار، ثم استوى على كرسيه لآخر مرة، كتب استقالته إلى مجلس النواب بغالبية أعضائه وولائهم لـ “علي عبدالله صالح”.

أراد الحوثيون الرئاسة وأغمض صالح عينيه عنهم، كبّل ذراعيه وتواطأ معهم، ليأخذوها إذًا، سيقذف الكرسي في حوش صالح ويتفرج.

حين سمع الحوثيون النبأ عبر وسائل الاعلام أحسوا بالصدمة، هرعوا إلى مجلس النواب، وضعوا خمس عربات مدرعة على محيطه وأغلقوا الباب الكبير بسلسلة فولاذية.

عضّ يوسف المداني شفته السفلى مُغتاظًا “لن نعيدها إلى علي عبدالله صالح مهما كلفنا الأمر، الموافقة على استقالة هادي من البرلمان يعني تنصيب يحيى الراعي رئيسًا مؤقتًا لمدة تسعين يومًا تنتهي بإجراء انتخابات رئاسية”.

ضرب المداني بقبضته طاولة خشبية تحلَّق حولها محمد علي الحوثي، يحيى بدرالدين الحوثي، أبوعلي الحاكم، وشقيقه طه المداني، صائحًا فلماذا إذًا قُمنا بثورة!. في تلك الأثناء كان عبدربه منصور هادي، مسترخيًا على فراشه، يحدّق في السقف، ثم يضحك، يبتسم، يحدق ثم يقهقه. كان يعرف أنه العقبة الوحيدة بين شهوتيْن، شهوة الحوثيين إلى السلطة المطلقة، وشهوة صالح في استعادة نفوذه والانتقام لإرثه وتاريخه وجسده المحترق. مال الرئيس المُستقيل على جنبه الأيمن، لوى ذراعه تحت جمجمته. ثم هوى إلى نوم عميق.

بحلول الذكرى الخامسة لاختطاف مراسل صحيفة الشرق، انتشرت صور أطفاله على وسائل الإعلام يحملون لوحة بيضاء صغيرة مكتوب عليها: أين والدنا يا عبدالملك؟
عميد الصحافيين اليمنيين الأسبق عبدالباري طاهر الأهدل لم يصدر بيانًا لإدانة ما حدث.

جمال بنعمر كان في طريقه إلى حانة لاكوانتينا بجادة نورفلوك ستريت بنيويورك، حين وقفت بجواره “رقية نادر” على سيارة (كاديلاك) سوداء، أشار بكفيه مسترعيًا انتباهها، “رقية” لم تلتفت، كانت منشغلة بمداعبة عضو سيناتور شاب في الكونغرس الأميركي، دفعت بيدُها اليسرى خصلات شَعرها إلى الوراء، رأسها غاص في حِجر السيناتور، وفي جراب المقعد الأمامي من الخلف تدلت أوراق مكتوبة باللغتين العربية والإنجليزية.

في الصفحة الأولى عنوان باللون الأحمر “مشروع قانون وقف تصدير الأسلحة الأميركية إلى السعودية”. السيناتور المسترخي في مقعده نشر بعد ساعات صورة طفل يمني ميت تحت أنقاض مبنى تعرض لقصف صاروخي. كتب عبارة واحدة “لنوقف هذا!”.

..
..
يُتبع

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: