حذرت من هذه الخطوات 

كتب / سام الغباري

في كتاب الهاشمية السياسية كنت قد حذرت من هذه الخطوات: الانصهار السادس: ومنه تملك الهاشميون ونظراؤهم المتخرجون من هِجر العلم ومعاقله الأراضي اليمنية باختراع وسيلة احتيالية مذهلة، أطلقوا عليه اسم “أوقاف الأرض”، شرّعوا لها النصوص الدينية، وكتبوا لائحتها الداخلية التي تُقسم أراضي اليمنيين الطيبين على اللصوص بالتساوي، وتمنحهم بموجب هذه اللائحة صكًا قانونيًا ودينيًا يتملّك جزءًا من أرض اليمني تحت مسمى “العاملين عليها”، لأنهم هُم العاملون أصلًا على أراضي الأوقاف، ولا يُسمح لسواهم بمشاركتهم هذه البيضة الذهبية التي عاظمت قوتهم الإقطاعية وعوائدها المالية، حتى صارت “الأوقاف” قلعة استثمارية تمنح الهاشميين ونظرائهم أجمل الأراضي وأخصبها.

حدث ذلك خلال فترة “دوران الهاشمي” الذي كان خبيرًا بالمواريث، ولغة التقاضي، والمفردات التوثيقية في سجلات أمناء القرى والمُدن، على اليمني صاحب الأرض الواسعة، فيدور الهاشمي حوله حتى يُقنعه بوقفها أرضًا لله يُدفع خراجها لإطعام “حَمام مكة”!، وكيف أن هذه الحمامات الطائرة ستجعله مُحلًقًا مثلها في الفردوس الأعلى، وبمجرد أن يتورط المسكين بذلك ويبصم على تنازله عن أرضه لله تعالى الذي لا يحتاج أصلًا لكوكب الأرض وقد منحه بقيعانه ومحيطاته وهوائه مجانًا لأبناء آدم!،

بذلك يكون الهاشمي قد ضمن “العُشر” من الأرض الموقوفه، حتى إذا عاد اليمني عن تنازله، ينتصب له الهاشمي لاعنًا تعديه وتجرءه على وقف الله عزوجل!. وأما لو مات اليمني على بصمته الأولى، يسًرح أبناؤه الذين صاروا مُجردين من أرض أبيهم إلى طرق أبواب مؤسسة الوقف فيظهر عليهم ذلك الهاشمي الذي أقنع والدهم بتنازله ليستجدوه أن يؤجر لهم جزءًا من أرض والدهم الموقوفة بسعر الزمان والمكان، وبعد مراجعة تستغرق أعوامًا طويلة قد يُمنحون ما طُلبوا، أو ينصرفون إلى الكد والشقاء لتجميع ما أمكنهم لشراء أرضٍ أخرى يقيمون عليها بيتًا لأطفالهم السُمر المتعبين.

وأما أراضي الدولة التي باتت تُعرف في زمن الجمهورية بهذا الاسم، فكانت مُلكًا استحوذ عليها كبار موظفي الإمامة المتعاقبين على اليمن فترات طويلة، وعادت مُلكًا غير موثوق لعيالهم وأحفادهم الذين تملكوها بالوراثة، حتى صاروا أباطرة مُتجبّرين لقرىً بشعابها ووديانها، وهذا الإقطاع هو المتهم الأول في إبقاء الإمامة بحالة موت سريري حتى انبعاثها بعد 57 عامًا من إعلان الجمهورية اليمنية.

لا يكتفي الهاشميون ونظراؤهم بابتلاع الأراضي الكبيرة قطعة قطعة، بل يعمدون إلى تأجيرها لأقاربهم بمبالغ رمزية لا تكاد تُذكر، وبأماكن حساسة تتقاطع مع مخططات الدولة الإنشائية للطرق والأحياء، فتمضي إسقاطاتهم على المخطط الهندسي المفترض. ذلك ما حدث في كثير من المدن مثل صنعاء وذمار وإب وعمران التي يُسيطر فيها الهاشميون ونظراؤهم على قرى بأكملها، وبمساحة تقارب مدينة كاملة يمكنها استيعاب ما لايقل عن 250 ألف نسمة من السكان.

حين يطوف المرء على مختلف الجوامع والمقاشم والمقابر في داخل المدن اليمنية بمناطق مثل آزال وحضرموت يمكنه استنباط فكرة الاستيطان الهاشمي على ما يحيط بهن من الأرض البيضاء الموقوفة لأشخاص من العامة حرموا عيالهم أرضهم الأخيرة، ووهبوها – بحُسن نية – للصوص يتوالدون باستمرار، وعلى رأس كل واحدٍ منهم عمامة!.

في ظل رسالة ونظرية ونبوءة وتنظيم لا يعترف بالإسلام المحمدي و العروبة يمكن للهاشمية اليمنية أن تنمو وتتضخم، حتى تستقر القبيلة اليمنية في أحشائها، ثم تُخرجها كائنًا مسخًا يخصف على جسده بورق الزعفران الإيراني، لتبدأ بعد ذلك معركتها الدعائية مع الهاشميين في شبه مناطق مختلفة من العربية تجلبهم بأذرع يمنية، وتخاطبهم بالصورة النمطية المطمئنة، وبلسان عربي مبين يخترق الهوية والتراث، ويصل إلى “الشيلات الغنائية”، ومحاولة جر الهاشمية ومريديها في المناطق الأكثر ضعفًا وقابلية للإصغاء، إلى إدارة حرب داخلية من داخل العمق الخليجي نفسه، وقد حاولت الهاشمية الإيرانية تحقيق ذلك في العمق السعودي، ودعم باقر النمر الذي أدار معركة إيران الطائفية بخبث علني، ومن داخل المناطق الشيعية العربية، ومحاولة تجنيده الفتية الطيبين بدعاية شديدة التكثيف، تغسل أدمغتهم، وتحولهم إلى رجال آليين ينفذون برنامجًا إيرانيًا قائمًا على أوامر العنف نحو المجتمع المحلي العربي، والتدمير الذاتي لكل أسباب الدولة في المنطقة العربية الأخيرة من عالمنا العربي، وأحلامنا البريئة وعيشنا المشترك، وهويتنا الحضارية.

الوسواس ليس له موعدٌ كما يقولون، قد يهاجمك في خشوعك، وفي رغبتك الصالحة، وعند وضوئك للصلاة، فإذا فقد المرء أو المجتمع تماسكه وسمح لخصومه بالتسلل إلى جواره وعلى أعتاب حدوده بتشكيل مذهبي أو عصبوي مسلح كامل الدسم أو منزوعً، فتلك مساحة الشيطان التي يلعب فيها، ويغير عليها بخيله ورجاله، ومن هنا تبرز معركة اليمن مع إيران بقناعها الهاشمي كأهم استراتيجيات الأمن القومي اليمني أولًا، والأمن القومي العربي والخليجي ثانيًا، والأمن الإقليمي والدولي ثالثًا.
يجب أن يحرس اليمنيون والعرب هوية اليمن التاريخية بحزم من الغارة الاستيطانية للثقافة الفارسية التي جاء بها “يحيى حسين قاسم طباطبا” وأشياعه المحتالون على القبيلة اليمنية بانتسابهم إلى الهاشمية وإطلاق خرافة “آل البيت”، والترويج لقصص ألف ليلة وليلة وملحمة الشهنامة، ولم يكتفوا بذلك بل أغاروا علينا جميعًا بالفلاسفة والمؤرخين والمحدثين والمفسرين، وبأشعار الأصفهاني ومهيار الديلمي وإحاطة مخترعي المذاهب الهاشمية بالهالة القدسية، ووصم الأدب العربي العظيم بالجاهلي تحقيرًا وتجهيلًا وتعتيمًا، حتى إن مؤلفي المناهج الدراسية ساروا على ذلك الوصف الغريب حتى يومنا هذا، وأنتجوا كتبًا تُدًرس لطلاب الصفوف المختلفة بعنوان: الأدب الجاهلي! الشعر الجاهلي!، ولم يسأل المؤلفون أنفسهم كيف يكون الشعر أو الأدب بهذه الفحولة والبراعة والبلاغة ويكون جاهليًا؟!. وبالانتقال إلى الهوية المذهبية، قُسّمت اليمن على رأس أربعة مذاهب اخترعها وألفها هاشميون، هي “الصوفية” و “الشافعية” و “الزيدية الهادوية” و “الإسماعيلية” وكلها مذاهب تروج لـ “آل البيت”، وقداسة العرق الهاشمي الذي لا قداسة له أصلًا، والادعاء بأن هذه المذاهب جزءٌ أصيلٌ من تكوين وخصوصية اليمن وهويته، وتحفيز القبيلة اليمنية على اعتناقها بإيمان متصل، وتقسيم المذاهب جغرافيا بحدود حادة، كأنها مستعمرات، فللزيدية شمالها حتى نقيل سمارة شرقًا، وفي الغرب الشرقي والشرق الشافعية، والإسماعيلية في الوسط منتوف ريشها بعد هزيمتها على يد الحليفين الأكثر شعبية وهم الشوافع والزيود، وأما الصوفية فتسكن حضرموت قادمة من مهجرها في العراق عبر “احمد عيسى المهاجر” الذي قال لمستقبليه على تخوم حضرموت إنه هاشمي، فأسكنه أهلها وورث أحفاده من بعده تعصبًا عرقيًا لا تقع العين عليه، فقد خاطر الهاشميون الذين ما يزالون هوية قائمة بذاتها في صحارى حضرموت الغنية بالنفط، وذات الكثافة السبئية والحميرية والهمدانية، بإثارة الجدل حول تزويج الهاشمية من اليمني الحضرمي، وقاد العطاس والجفري حملة فتاوى غير إسلامية تمنع وتحًرم ذلك الزواج وترجعه إلى عدم الكفاءة. وقد أثار ذلك معارك شتي في أوائل القرن التاسع عشر بين الإرشاديين والهاشميين كادت ان تفضي إلى مذابحً عرقية مؤسفة.

نُسِخت الفتوى التي تردد صداها في الجالية الحضرمية بإندونيسيا عن مقولة الإمام “أحمد بن سليمان” في القرن الخامس عشر، وكان أول من منع زواج الفاطميات من اليمنيين، وعزز المتوكل على الله إسماعيل الفتوى بتحريم ذلك الزواج!، حتى صار إلفًا اجتماعيًا دأب عليه الهاشميون في اليمن إلا في حالات قليلة لها حساباتها الاجتماعية والسياسية. حتى إن يحيى حسين طباطبا الشهير باسم “الهادي إلى الحق” باعتباره الحاكم الوافد من طبرستان على صعدة زوّج بناته من أقاربه الطبريين الذين جاءوا معه رافضًا تزويجهن من مواطنين يمنيين وإن كانوا من علية القوم، وزادت بعض الأسر الهاشمية الطبرية التي “اضطرت” إلى مصاهرة يمنيين اشتراط أن يُنسب أسباطهم إلى أمهاتهم، ومنهم للتدليل عائلة “حورية” في صعدة و “دولة” في صنعاء، و “راوية ” في ذمار،، وكانت حُجتهم في ذلك منعًا للعيب أن المسيح عليه السلام يُقال له عيسى بن مريم! في مغالطة احتيالية تتوارى خلفها حقيقة العنصرية الفارسية الفجّة.

حاولت الشائعات الهاشمية عزل حضرموت عن جذرها اليمني التاريخي، وهويتها الحضارية والأثرية، وقالت إن حضرموت شعبٌ آخر تُنفى صفة اليمانية عنه!، ثم الترويج الأبله أن اليمنيين “متعايشون” بمختلف مذاهبهم!، ومنذ متى اشتبكت المذاهب الأربعة أصلًا إلا في حالات استدعت السياسة سلاحها.

لقد نشأت الزيدية في الديلم بفارس، و الإسماعيلية بالهند وباكستان، و الصوفية في خراسان التي مازالت مَعقَلًا ومُرتكزًا يحمل “المجد الفارسي”، ذلك المجد الذي يخشى أن يُكرر اليمانيون التحامهم العميق، بهويتهم والهوية العربية، لينجزوا معًا معركتهم الحاسمة، وعهدهم القديم إليها، فيحملون صواع خميني إلى صاحب الإبل، ويعود المجد يمانيًا عربيًا، يصافح قحطان وعدنان، وينتمي إلى وطن ثانٍ كحلم الصبا.. ينأى ويقتربُ.

 

تابعنا في Google News

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: