أعياد .. ولكن !

كتب / سام الغُباري

متى العيد يا أمي ؟

أقولها، وفرحة لا تطيق الانتظار تكاد تنز من مسامي، وتجيب أمي: بعد 3 أيام، واستطرد : يعني أنام وأصحى وأنام وأصحى ثم أنام وأصحى فأصبح على يوم العيد .

أيوه يا سُمسُمي !

وتطبع قبلة طويلة على خدي، وتسوي غطاء نومي على مهد من الاسفنج الرفيع، وأنام وأصحو، ولم يأتِ العيد، وأصبح على قلق مشوب بفرح، وانتظار يلهث مسرعًا، أكاد أشعر بطيور تعصف أضلعي بسقسقة لا وسع لها، فيما تبدو السحب متعثرة بعناد لا يكاد يخطو بها إلى حتفها، وأسأل جدتي : أين الخروف ؟

وتشير إلى حمّام المنزل الأعلى، افتح الباب الموارب بحذر، وابتسم، قدمه موثقة إلى انشوطة مثبتة بالجدار، ورائحة الزفر تفوح منه، فيمأمأ، وأعدو إليه فرحًا، احتضن رأسه بين ذراعيّ الصغيرتين، وأحيانًا كان يتخذ وضعًا دفاعيًا برأسه، ويهم بمناطحتي

المنزل ذي الثلاث طوابق مزدحم بالمهارات العديدة، كل النساء يصعدن السلالم مئة مرة في اليوم الواحد، ويهبطن، من مخزن الأغذية، إلى المطبخ الملئ بسخام الاحتراق المتكرر، ومن تحضير وجبات طعام أبي وأعمامي مع عُمال المحل، إلى تدليك قدميّ جدّي، الذي لم تكن تهدأ كليلته بسهولة، فصوته وحده كافيًا لبث الرعب في أنحاء المنزل .

بعد صلاة العشاء، يذهب إلى معرض الألبسة، يراقب أولاده يبيعون، ويشاهد صنوف الناس، ما بين متحاذق، وثقيل، ومجادل، وككل ليلة يشتبك مع أحدهم، ويشخط في وجه أبي على تساهله مع الزبائن، يصرخ في وجه زبون مقعر الوجه وعصاه الغليظة تهتز في الهواء : هي كلمة واحدة يا مرفس، قالك بكذا يعني بكذا.

ويبدأ أبي في تهدئة أبيه، مُعللًا كثرة التفاوض حول السعر بتغير نوعيات الناس بين زمانه وزمانهم، ثم يسحبه بهدوء إلى الأعلى، ويعود مُسرعًا إلى الأسفل ليكتشف ما فاته .

في المساء الأخير، كانت روائح الكعك حادة مثل غابة من أشجار الصنوبر، فيما مأمأة الخروف تزداد شجونًا، وكأنه يحتضر، الرائحة القريبة منه تثيره، فغدًا سيكون آخر صباح في حياته المملة، حين أراه مستلقيًا على أرضية السطح الباردة، ويد الجزار تقترب من عنقه بسكين حاد، أنظر إلى عينيه باهتمام، وأظنه يبادلني نظراته الأخيرة، وأسأل نفسي : لِمَ الخروف وحده دونًا عن بقية الثدييات يجب أن يموت هذا الصباح ؟ قال الله تعالى أنه افتدى اسماعيل بذبح عظيم، لماذا لا نذبح حمارًا أو حصانًا ؟ لقد أحببت الخرفان، ولا أريدها أن تموت .

سألت عمّي في وجبة الغداء، مستحضرًا مشهد الذبح، والدم يتفقد حارًا من عنق المسكين : لقد كان حيًا قبل ساعات ! . وشعرت بكفه تبتسم من ورائي : ستعرف حين تكبر، ولما كبرت صرت سفاحًا اشتهي أكل كبد الخروف نيًا كما كان يعلمنا جدّي، ولا أكترث لأي نظرة إشفاق نحو أي خروف .

ألعق دمه النازف من شرايين كبده الحار، وأمضغها بتأنٍ يثير تقيأ الذين لم يدمنوا هذه اللحظة الثورية المهمة في صباح كل عيد أضحى .

ذلك الصباح الحاسم، حيث كان الحيّ ساحة للتنافس بين الأطفال، من هو صاحب الرداء الأفضل ؟، وكنت مع شقيقي ننتصر في أغلب تلك الصباحات، بحكم التخصص، ورغم تباهي أقراننا بجودة وغلاء ملابسهم، خلال دوراننا المستعر والدقيق أفرادًا وجماعات من منزل إلى آخر، إلا أن ابتسامة الأمهات الرطبة وثنائهن على ألبستنا جميعًا، وشهقاتهن على جمالنا ونظافتنا، كانت وحدها كافية لتهدئة حمى التنافس، فيما أعيننا مثبتة على عطاياهن السخية .

العيد يوم طويل، من الألعاب النارية، إلى الشوكولاته، والكعك، والفطور الصاخب، وزيارات أصدقاء أبي وجدّي، ثم نصعد فوق سيارتنا متراكمين مثل أكياس القمح على جميع المقاعد، في طريقنا إلى “باب الفلاك” لشراء أفخر أنواع القات، والعودة

كانت تلك الرحلة الوحيدة لأغلب الأطفال مع آبائهم، وفي كل عيد كنت أرتفع عن الأرض سنتيمترات قليلة، حتى بدأت أنافس أبي، إلى أن غلبته، وكان ذلك الانتصار الجسدي حديث كل العائلة في كل يوم، ومعه بدأت هزيمة الطفل وتراجعه عن اقتحام أبواب الجيران، اختفت وجوه الأمهات اللائي كن يحتضن أجسادنا الصغيرة بحب متفاوت، وقد اكتشفت خط شاربي على المرآة يتكون كأنه مولود ذكر، ثم انحسرت عاطفتي تجاه الخراف، ولم تعد الملابس الجديدة تهمني، فلا أبالي إن كان جارنا قد اقتنى قميصًا أكثر أناقة مني، كنت يومذاك غارقًا في دراسة الصحافة بعيدًا عن المدينة بنحو ١٠٠ كيلا متر شمالًا، غير أن أهم ما في الجامعة أنك تدخلها فتتذكر تجربة مماثلة، وعندما تدرك أنها تشبه خطواتك الأولى في الصف الأول ابتدائي، تكون البراءة قد رحلت، وبدأت حياة جديدة بلا أعياد حقيقية .

كل عام وانتم بألف خير .
وعيد أضحى مبارك

تابعنا في Google News

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: