تقرير يكشف التداعيات الكارثية للألغام على الاقتصاد اليمني

الانباء اونلاين – فارس السريحي

قد تتوقف الحرب وتسكت الأسلحة المشرعة فوق تلال وجبال اليمن يوماً ما؛ لكن تظل آلاف الألغام والعبوّات المدفونة تحت الأرض تحصد أرواح اليمنيين وتضيّق معيشتهم لعقود طويلة.

تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن الحرب المدمّرة المستمرة منذ سبع سنوات خلّفت آثارًا اقتصادية وإنسانية خطيرة؛ جعلت أكثر من ٨٠٪ من اليمنيين يعيشون تحت خط الفقر، وانكمش الاقتصاد الوطني أكثر من ٥٠٪. في حين تشير تقديرات أخرى إلى أن اليمن ستحتاج بعد توقف الحرب لعشرات السنين لتطهيرها من الألغام وتأمين جهود التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيها.

غياب السلامة الإنتاجية 

يقول الباحث في الشؤون الاقتصادية سليم محمد، في تصريح لـ “يمن مونيتور”، إن الألغام الأرضية التي ينفرد الحوثيون بزراعتها في أرجاء اليمن ضربت كل مناحي الحياة، وشلّت الحركة والنشاط الاقتصادي وأوقفت أنواع الإنتاج والخدمات العامة والخاصة.

مضيفاً أنها دمّرت العديد من مقومات الاقتصاد الوطني؛ ومنها القوى العاملة والمصانع والمعدات والآليات الثابتة والمتنقلة، وطالت قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والسمكية، وصولاً إلى تهديد نشاط الصيد.

وأكد أن الألغام أحد أهم أسباب غياب السلامة الإنتاجية التي أثّرت بشكل رئيس على الاقتصاد الوطني من خلال تصاعد الخسائر البشرية والمادية على مستوى الأفراد والقطاعات المتعددة.

تفخيخ المزارع والمراعي 

وقالت مصادر في الفرق الهندسية في أحاديث متفرّقة لمعد التقرير، إن مساحات واسعة من الأراضي الزراعية في مختلف المحافظات باتت مزرعة بأنواع متعددة من الألغام، وكذا بمحيط آبار المياه والطرق المؤدية إليها. موضحة أن أكثرها كثافة بمحافظات الحديدة وحجّة والجوف.

وتداول نشطاء على مواقع التواصل الاجتماعي صوراً لألغام على شكل جذع نخلة زرعها الحوثيون في مزارع بالحديدة. وفي ديسمبر ٢٠٢١ تداولت وسائل إعلام محلية مشاهد لتفكيك شبكة ألغام ضمّت 20 لغمًا فرديًا و16 مضادًا للدروع في مزرعة بقرية حلة في مديرية حيس.

وفي الجوف، أكدت مصادر فنية وأخرى محلية أن مساحات زراعية واسعة بالمحافظة هُجرت وأصيبت بالتصحّر بسبب شبكات الألغام. مؤكدة أن الألغام تسببت أيضاً بإعطاب سيارات وآلات زراعية منها حراثات وشاحنات نقل، وكذا نفوق مئات المواشي في حوادث ألغام متفرقّة.

وأكد تقرير صادر عن لجنة الحقوق والاعلام بمحافظة الجوف، تضرر 49 مزرعة في مختلف مديريات المحافظة بسبب الألغام والعبوّات خلال الفترة بين أكتوبر 2018 وأغسطس 2021م.

ولا يكاد يمر شهر دون أن يسقط ضحايا من الفلاحين أو من أقاربهم أثناء قيامهم بأعمال الفلاحة أو خلال تنقّلهم بين المنزل والمزرعة أو خلال نقلهم المحاصيل لبيعها في الأسواق حيث تترصّدهم الألغام في حواف الطرق الرئيسية والممرات المؤدية إليها، وفقاً للمصادر.

وخلال 2018، قتلت الألغام المزروعة في الأراضي الزراعية والقرى والآبار والطرق 140 مدنيًا، بينهم 19 طفلاً، في محافظتي الحديدة وتعز، وفقا لمشروع رصد الأثر المدني.

ووفقاً للباحث سليم، فإن الألغام والمتفجّرات ألحقت ضرراً بالغاً بالنشاط الزراعي الذي يعد الدعامة الأساسية للاقتصاد الوطني، وحرمت المزارعين والعمال والتجّار من مصادر دخلهم.

وأضاف أن الألغام شكّلت تهديداً أساسياً لقطاع الثروة الحيوانية ومزارع النحل المنتجة للعسل الطبيعي والتي تعد رافدًا مهماً للاقتصاد الوطني. موضحاً أنها قيّدت حركة رعاة الأغنام ومربو المواشي والنحّالين، وتسببت في إزهاق أرواح كثير منهم وتسببت بإصابات وإعاقات دائمة لآخرين. فضلاً عن ضحايا من المواشي كما حصل في سواحل حجّة والحديدة وغيرها.

وأكد أن آلاف الهكتارات من المناطق الزراعية والمراعي عزف عنها الرعاة ومنتجو العسل الطبيعي لأنها غير آمنة بسبب الألغام رغم أنها أراض خصبة وغنية بالأغذية الخاصة بالنحل.

تفخيخ الشركات والمصانع 

وإضافة إلى ذلك، قال الباحث سليم، إن الألغام تشكّل تهديداً مستداماً على النشاط التجاري وعلى قطاع التجارة والصناعة برمّته سواء الموارد البشرية والمادية أو الحركة العامة للبيع والشراء.

وأوضح أن ما تتعرض له الشركات الوطنية في الحديدة وما يتعرّض له موظفيها من مخاطر جراء الألغام أبرز مثال على وضع نشاط التجارة والاستثمار في البلاد. مضيفاً أن الحوثيين عمدوا إلى زراعة الألغام والمتفجّرات داخل الشركات والمصانع وفي الطرقات المؤدّية إليها. مؤكداً أن ذلك يأتي في إطار التجريف الممنهج لرأس المال الوطني وتدمير القطاع الخاص.

ومنتصف سبتمبر ٢٠٢١، فككت الفرق الهندسية شبكة ألغام متنوعة كان الحوثيون قد زرعوها بفناء مبنى شركة مطاحن البحر الأحمر جنوب مدينة الحديدة. وبعدها بنحو ثلاثة أشهر (أواخر يناير 2022)، قتل عاملين وأصيب ثالث من موظفي شركة النفط في الحديدة إثر انفجار لغم في منطقة كيلو 10 جنوب شرق مدينة الحديدة، وفقاً لما أكدت المصادر في الفرق الفنية الميدانية.

ولم تقتصر مخاطر الألغام على النشاط التجاري المحلي؛ فبحسب سليم محمد، فإنها تهدد حركة التجارة العالمية من خلال الألغام البحرية التي نشرها الحوثيون في البحر الأحمر وباب المندب.

وأكد أن الألغام التي نشرها الحوثيون بكثافة وبمختلف الأنواع والأحجام على امتداد السواحل اليمنية الغربية على أهم خطوط التجارة البحرية الدولية، موضحاً أن بعض تلك الألغام انجرفت لمئات الأميال في اتجاهات عشوائية وارتطم بعضها بسفن تجارية وألحقت بها خسائر جسيمة.

وأشار إلى أن مئات الألغام ما تزال عائمة في سطح البحر وتشكّل تهديداً حقيقياً للنقل البحري الدولي، فضلاً عما تم اكتشافه وتدميره خلال الفترة الماضية ومنها إعلان التحالف في نوفمبر 2021 عن تدمير أكثر من 220 لغماً بحرياً جنوبي البحر الأحمر.

وإجمالاً، أشار إلى أن الألغام تتسبب في كوارث اجتماعية وتراكمات اقتصادية على مستوى الفرد أو الشركات والمؤسسات العاملة “الحكومية أو الخاصة” مسببة انخفاض مستوى الدخل وإعاقة التنمية الاقتصادية، وانخفاض الناتج المحلي الإجمالي، وارتفاع مستوى البطالة والفقر.

تفاقم الوضع الإنساني 

ومن جانبه، قال الصحفي والناشط الحقوقي والمجتمعي همدان العليي، في تصريح لـ “يمن مونيتور”، إن الألغام والعبوّات المتفجّرة إحدى أهم الأسباب التي ساهمت في تفاقم الوضع الإنساني في اليمن.

وأضاف أن الألغام تمنع المدنيين من ممارسة أنشطتهم الزراعية والاقتصادية بشكل عام، وتعيق نقل المساعدات إليهم في تعز والحديدة وحجة والجوف وغيرها بشكل خاص. موضحاً أن النطاق التدميري الناتج عنها ألحق أضرارًا بالغة باليمنيين على المستوى الجسدي والاقتصادي والمعيشي وعلى مستوى منع وصول المساعدات الإغاثية.

ووفقاً للعليي، فإن الحوثيين حوّلوا اليمن إلى أكبر دولة ملغومة رغم علمهم ويقينهم أن المتضرر منها هم المدنيين بدرجة أساسية. مؤكداً أن نشاط الحوثيين الدائم في زراعة الألغام دليل على أنهم لا يستهدفون سوى اليمنيين بخلاف شعاراتهم التي تدّعي السيادة ومحاربة التحكّم الخارجي.

وإضافة إلى ذلك، قال الصحفي العليي، إن هجمات الحوثيين البحرية ضد السفن التجارية تسهم بشكل أو بآخر في إعاقة وصول المساعدات. معتبراً ذلك واحدة من أبرز الانتهاكات للقانون الإنساني. وهو ما أكدته تقارير فريق الخبراء البارزين المعني باليمن.

وكان فريق الخبراء، قد أكّد في التقرير الذي قدّمه لمجلس حقوق الانسان نهاية سبتمبر 2020، أن زراعة الحوثيين للألغام أدى إلى “تفاقم انعدام الأمن الغذائي، وجعل مجتمعات الصيد والمجتمعات الريفية أكثر فقراً”. مؤكداً أن الألغام منعت الصيادين “من الوصول إلى المناطق الساحلية للصيد، ولا سيما في الحديدة”. وأثّرت على “توافر الأسماك وأسعارها في السوق”. وأدّت أيضاً إلى “تخوف العديد من المزارعين من زراعة أراضيهم أو رعي ماشيتهم”.

كلفة بشرية واقتصادية 

ومن التكاليف النوعية للألغام، قال الباحث سليم محمد، إنه يأتي في مقدمتها مئات الكوادر اليمنية المتخصصة في مختلف المجالات الذين سقطوا في حوادث ألغام بين قتيل أو معاق. مضيفاً أن البلاد خسرت جهود هؤلاء وخبراتهم التراكمية، وستتكبّد خزينة الدولة أموال طائلة لتأهيل بديلاً عنهم ورعاية أسرهم، وعلاج المصابين، ورعاية المعاقين وأسرهم.

ويليها، وفقاً لسليم، تكاليف برامج مسح الأراضي الملغومة وتطهيرها والذي يستغرق سنوات طويلة ويتطلب جهود وكلفة مادية ضخمة في مختلف المراحل. كما يستدعي إجراءات تدريبية لكوادر فنية متخصصة وإنشاء مؤسسات وهيئات مسؤولة وراعية، ورفدها بالمعدات والأموال كي تنجح في تأمين مستقبل اليمن والأجيال القادمة.

ووفقاً لأطباء بلا حدود، فإن تبعات الألغام “لا تقف عند الأسر فحسب إنما تتعداها إلى المجتمع ككل، حيث يرجح أن يصبح ضحاياها أناساً أكثر اعتماداً على المساعدة وأكثر عزلة”. وتخلّف “أجيالاً من المشوهين”.

تفخيخ عملية الإعمار 

وإضافة إلى ما سبق، يشير سليم محمد، إلى التحديات الصلبة التي تمثّلها الألغام أمام عملية إعادة البناء والإعمار وتثبيت عملية السلام. مؤكداً أن الألغام المزروعة في مساحات واسعة من البلاد تشكّل أحد أهم التحدّيات الأمنية الاستراتيجية أمام خطط التنمية والتعافي الاقتصادي المستدام.

لافتاً إلى ما تشكّله حالياً من عوائق أمام وصول المساعدات والمعونات والاغاثات الإنسانية، وإسهامها في زيادة تفاقم الوضع الإنساني وتدهور الوضع المعيشي والإقتصادي وإضعاف الحركة الإقتصادية للأسواق المحلية والشركات.

وشدد على ضرورة العمل على وقف زراعة الألغام، وحشد الجهود لمسح المناطق الملغومة وتطهيرها لتأمين حركة السكّان وأنشطتهم التجارية والاقتصادية، وتسهيل عمل المنظمات المحلية والدولية، وتأمين برامج وجهود صناديق الإعمار المحلية والدولية وتثبيت السلام الدائم.

نقلا عن موقع يمن مونيتور

تابعنا في Google News

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: