صيحة ميلاد جديد
لم يكن ليتحقق هذا السقوط المدوي لجبروت حزب الله، ولا أن تبلغ إيران حد الإهانة العلنية التي تزلزل كبرياءها، ولا أن تندحر جيوش الطاغية بشار، لولا أن قطع اليمانيون مداد ذلك السيل البشري العاتي من المرتزقة المتدفقين من إيران ولبنان والعراق
بل حتى من عمان العزيزة، التي لم تلبث أن أطبقت على صغار المهربين الحوثيين بعدما لفظهم الإرهابي محمد عبدالسلام قائلاً بلهجة الجاحد: “إني بريء منكم”.
يا لعظمة مأرب وتهامة والجوف وحضرموت، ويا لهيبة يافع، وبأس الضالعيين، وعزة عدن، وبطولة أبين، رجال الجنوب والشمال معاً، وقد خاضوا ملحمة البأس، لا يعرفون نكوصًا أمام المد الإيراني المتدثر بجالياته الخائنة وعملائه البربريين.
في أواخر عام 2022 إلى مطالع 2023، كان المبعوث الأممي يشير لما يُسمى محور المقاومة بأن غزو مأرب هو الحل، وخرج حسن نصر الله مُعربدًا من قناة الميادين ويقسم جازمًا أنه سيفطر في عاصمة سبأ.
لكن هل تدرون ما الذي جرى؟ قاتلناهم، حتى إذا ما اقتربت جحافل إيران من بعض المناطق، كان اليأس قد تفشى في نفوس المقاتلين، وخارت السواعد، وبلغ الوهن “سلطان العرادة” وقد استنفد 90 بالمئة من أدواته العسكرية، فما كان بوسعه إلا أن يستلّ آخر أسلحته: اللغة.
وقف خطيبًا، وقد حملت كلماته حرارة الأرض وغصة الدم، وانطلق صوته المتهدج في فضاء مأرب، يملأ السهل والجبل، والجرحى المنهكون يتلمسون جلال الصوت وعظمة الموقف، والعين تغصّ بالدمع، والقلوب على شفير الانكسار.
خطب فيهم من القلب إلى القلب، ومن الدم إلى الدم، يستنهض نخوة العرب وجذوة المقاومة، حتى إذا ما بلغ قوله: “ألا إن نصر الله قريب”، كررها ثلاثًا، كأنها صيحة ميلاد جديد
فارتدت الحياة إلى الأجساد المنهكة، ونهض الجميع الذين كانوا يستمعون إليه عبر أجهزة النداء، كأنما وُلدوا من جديد، بينما عاد “نصر الله” الذي أقسم أن يفطر في مأرب بخيبة أمل، وعناصره مفطوري القلب، منزوعي الحشاء، وانكسارهم لا يندمل.
هؤلاء نحن، من دحرنا جحافل كسرى، ومن كسرنا شوكة المستعمرين، وستظل سهامنا تنغرس في خاصرة كل متجبر، حتى تتلاشى أوهامهم إلى الأبد.
لا تنسوا ذلك أيها الأبطال.