في غزة: تفاصيل أكبر مأساة إنسانية في زمن الصورة والخذلان”
حيث يسكن الموت كل زاوية
الأنباء أونلاين – خاص :
يشهد قطاع غزة اليوم واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية غير مسبوقة في التاريخ الحديث، حيث تتقاطع المجاعة، والقتل الجماعي، والنزوح، وانهيار البنية التحتية، لتجسد مآساة حقيقية لا تندرج تحت أي تصنيف سوى أنها “نهاية مجتمع حيّ”
فمنذ 2 مارس 2025،فرضت إسرائيل حصارا مشددا على القطاع توقفت معه معظم معامل القمح والمخابز عن العمل، كما نفدت الوقود والمواد الغذائية، ما أدى إلى توقف مطابخ الأونروا والمبادرات الصغيرة لإنتاج الوجبات الساخنة.
وعلى مدار عشرة أشهر من الحصار والقصف، تفككت الحياة اليومية في القطاع وتحول القطاع إلى مشهد مدمر على جميع المستويات وأصبح البقاء تحدٍّ وجودي، يواجهه أكثر من 2.4 مليون نسمة في مشهد مأساوي يطغى عليه صمت العالم وعجز المنظومة الدولية.
وزدادت نسبة الجوع وارتفعت معدلاته بشكل غير مسبوق بالتزامن مع ارتفاع أسعار السوق،تصاعدت تحذيرات التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (IPC)،التي تؤكد أن كامل السكان يعانون من انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية الحاد بعد أن عجزت مؤسسات الأمم المتحدة ومؤسسات الإغاثة عن الاستمرار، مسبّبة شللًا شبه كامل في عمليات تغذية السكان .
لم تقتصر الأضرار على الغذاء، بل طال الانهيار كل الخدمات الأساسية. فقد توقفت معظم المستشفيات، وتوقف تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، ما زاد من انتشار الأمراض، ودفع السكان لحرق البلاستيك للتدفئة، مما تسبب بتسممات وأزمة صحية بيئية حادة .
في ظل هذا الواقع المأساوي، لا تزال المساعدات الإنسانية مقيدة بشكل كبير، إذ لا تدخل سوى نسبة ضئيلة من الاحتياجات الفعلية عبر المعابر أو عبر إسقاطات جوية تُعد ثمنها باهظًا مقابل أعداد لا تُذكر من الشاحنات، إضافة إلى أن هذه المساعدات تتعرض لأخطار القتل أثناء توزيعها وتدني مستوى النية الإنسانية في التوزيع .
في هذا التقرير نستعرض تفاصيل هذه الأزمة الإنسانية الكارثية والغير مسبوقة في التاريخ الحديث، بأوجهها وصورها المتعددة من المجاعة والحصار إلى المجازر الجماعية التي تُرتكب على مرأى العالم فإلى المحصلة :
عداد الضحايا
تشير أحدث إحصائيات وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة إلى أن حصيلة قتلى العدوان الإسرائيلي على القطاع منذ أكتوبر 2023 تجاوزت 60,000 شهيد، ثلثهم من الأطفال،
في حين تجاوز عدد الجرحى نحو 110,000 إصابة، بحسب وزارة الصحة الفلسطينية وفي بعض تحديثات الأمم المتحدة وصل العدد إلى أكثر من 60,000 قتيل وأكثر من 143,000 جريح بحسب مصادر مستقلة .
كما سجلَ مكتب حقوق الإنسان للأمم المتحدة مقتل أكثر من 1,373 شخصًا بينما كانوا يحاولون الحصول على مساعدات في الفترة من أواخر مايو حتى بداية أغسطس 2025، أغلبهم سقطوا قرب مواقع توزيع تابعة لمؤسسة غزة الإنسانية (GHF)، ما يسلّط الضوء على طبيعة توزيع المُساعدة والتي تحولت إلى مزارع موت بدلاً من سلم إنساني .
تعكس هذه الأرقام واقعًا مفجوعًا لكل أسرة في غزة، إذ يعيش المواطنون يأسًا عميقًا نتيجة تكرار الموت المستهدف عند محاولات الوصول إلى الغذاء، أو الانتقال من مناطق النزاع، مما يجعل كل خروج من المنزل مخاطرة قوية .
وبالرغم من هذه الأرقام الرسمية، هناك آلاف الضحايا الذين لا يزالون تحت الأنقاض أو في مناطق يصعب الوصول إليها، ما يعني أن الأعداد الحقيقية قد تكون أعلى بكثير، وبأن الدمار ما زال يؤخر تحديث البيانات الأولية فيما يُنشر .
شبح المجاعة
على امتداد القطاع، أصبحت المجاعة واقعاً يومياً، وليست مجرد تهديد. وفقًا لتصنيف المرحلة المتكاملة للأمن الغذائي (IPC)، يعاني أكثر من نصف السكان من حالة طوارئ غذائية، بينما يعيش ما يقارب 22% من السكان في مستويات كارثية تُعادل تعريف المجاعة دوليًا.
ففي بعض المناطق مثل خان يونس، تفشت مظاهر سوء التغذية بشكل مريع، حيث تجاوزت معدلات الأطفال الذين يعانون من الهزال الشديد 30%
فيما تشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن مراكز التغذية بالكاد تستطيع الاستمرار في ظل نفاد الغذاء العلاجي وانهيار الخدمات الصحية.
وفي مناطق مثل شمال غزة، يفتقد الكثيرون القدرة على تناول نوعين أو أكثر من الطعام يوميًا، فيما بلغ عدد الأطفال الذين يعانون من سوء التغذية الحاد أكثر من 470,000 طفل، والأمهات الجائعات يفوق عددهن 17,000 أم بحاجة لعلاج سريع .
وبالتالي في كل مناطق القطاع تعانب من تطبيق فعلي لمرحلة المجاعة IPC Phase 5 التي أعلنها تصنيف الأمن الغذائي، حيث تجاوز أكثر من 20% من الأسر حالات المجاعة، فيما أصبحت كل الأسر تقريبًا تعاني من انعدام الأمان الغذائي الحاد .
ارتفاع أسعار المواد الغذائية إلى مستويات قياسية يعني أن العائلات اليوم لا تستطيع شراء الفاكهة أو الخضار، وفي بعض الحالات تزعم العائلات أنها تبحث عن أوراق شجر أو بقايا بقايا الطعام في القمامة لاستكمال يوم يُهدّد فيه الأطفال بالموت من الجوع .
وأشارت UNICEF ومكتب التصنيف الدولي إلى أن الأزمة قد تسفر عن وفاة آلاف الأطفال المرضى بسوء التغذية إذا لم يتم توصيل الغذاء العلاجي فورًا قبل منتصف أغسطس 2025، عندما من المتوقع أن تنفد المخزونات الحرجة كاملة .
وتؤكد وكالات الأمم المتحدة أن أغلب المستودعات المؤهلة للدعم الغذائي جاهزة عند الحدود، لكنها عالقة بسبب الحظر، ما يجعل الأزمة مفتوحة على سيناريوهات أسوأ بكثير خلال الأسابيع المقبلة .
وفي ظل هذا المشهد، يتساقط الجياع قتلى أثناء بحثهم عن الطعام. منذ مايو الماضي، قُتل أكثر من ألف مدني أثناء محاولتهم الوصول إلى المساعدات، بينهم نساء وأطفال وشيوخ.
كثيرون سقطوا ضحية لرصاص الجيش الإسرائيلي، فيما لقي آخرون حتفهم بسبب التدافع أو الفوضى أو حتى الجوع أثناء الانتظار.
بموجب هذه المعطيات، فإن الجوع هناك ليس مجرد تشوّه غذائي مؤقت، بل مشهد يومي يعيش فيه سكان القطاع موتًا بطيئًا، يُهدّد فئات لا حيلة لها، كالنساء والأطفال وذوي الإعاقة.
إذ تفيد تقارير أممية ودولية بأن عدد الأطفال الذين لقوا حتفهم بسبب الجوع وسوء التغذية خلال شهر يوليو المنصرم بلغ 87 طفلاً خلال شهر واحد فقط .
وتظهر هذه الأرقام أن سكان ضحايا للقتل المباشر وحسب، بل هم أيضًا ضحايا منظومة إبادة جماعية متكاملة من القتل و التجويع والتدمير الذي والحرمان من أبسط مقومات الحياة.
الأطفال: جيلٌ يُمحى تحت الأنقاض
لم تسلم براءة الطفولة في غزة من طاحونة الحرب، بل كانت في صميم الاستهداف المباشر وغير المباشر، حيث بات الأطفال أهدافاً مفضلة للصواريخ والرصاص والحرمان والجوع،
وقد تجاوز عدد الأطفال الذين قتلوا خلال الحرب المستعرة منذ 7 أكتوبر 2023، أكثر من 15,000 طفل بحسب بيانات وزارة الصحة الفلسطينية، أي ما يعادل تقريباً 70٪ من مجمل الضحايا المدنيين، في مشهد لا نظير له في أي حرب حديثة من حيث الكثافة والدموية.
هؤلاء الأطفال لم يُقتلوا فقط في بيوتهم أو مدارسهم، بل قُتلوا أيضاً في حضن أمهاتهم، وتحت أنقاض المستشفيات، وعلى أبواب مراكز الإغاثة، وحتى داخل الخيام. بعضهم عُثر عليه محتضناً حقيبته المدرسية، وآخرون متفحمون بأجساد صغيرة لا تُعرف هويتهم. إنها ليست مجرد أرقام، بل وجوه وقصص وأحلام صغيرة أُبيدت بشكل جماعي ومنهجي.
أما أولئك الذين نجوا من القصف، فليسوا بأحسن حال، إذ باتوا يعانون من صدمات نفسية حادة، وفقدان للأهل، وتشوهات جسدية، وبتر أطراف، وحرمان من التعليم، في بيئة لا تصلح حتى للحيوانات.
وقد حذرت منظمات دولية مثل “أنقذوا الأطفال” و”اليونيسف” من أن مستقبل جيل كامل في غزة يوشك أن يضيع، في ظل غياب المدارس ووسائل الدعم النفسي، وانهيار النظام الصحي والتعليمي.
تقدر اليونيسف أن هناك أكثر من 17 ألف طفل فلسطيني باتوا دون أحد الوالدين أو كليهما، في حين يعيش الآلاف في العراء أو في مراكز إيواء مكتظة، بلا ماء أو كهرباء أو غذاء كافٍ.
وتفيد التقارير بأن نحو 90% من أطفال غزة يعانون من “صدمة نفسية مركبة”، تتجسد في أعراض مثل التبول الليلي، وفقدان النطق، ونوبات الصراخ والبكاء المفاجئ.
في الوقت ذاته، لا توفر إسرائيل أي ضمانات لحماية الأطفال، بل تم استهداف عشرات المدارس التي لجأ إليها مدنيون، رغم إبلاغ الأمم المتحدة بإحداثياتها.
وقُتل عشرات الأطفال أيضاً أثناء محاولاتهم النزوح أو الاحتماء بالمستشفيات. ويبدو أن البنية القانونية الدولية التي تنص على حماية الأطفال أثناء النزاعات المسلحة قد تم تمزيقها على مرأى من العالم.
وبات الأطفال في غزة اليوم هم الوقود الأكبر للحرب، ضحاياها وشهودها، وأيضاً ربما من تبقّى لحمل ذاكرة المجازر. وما لم يتوقف هذا الجحيم، فإن العالم سيشهد كارثة تمتد لعدة أجيال، حيث لن تكفي المساعدات لاحقاً لترميم ما تهدّم في عقول وقلوب هؤلاء الأطفال.
القطاع الصحي: انهيار شامل
منذ الأيام الأولى للحرب، وُضِع القطاع الصحي في غزة على قائمة الأهداف. لم يكن الاستهداف قاصراً على الطرق أو المرافق اللوجستية، بل شمل المستشفيات الرئيسية كمجمع الشفاء الطبي، ومستشفى الأندونيسي، ومستشفى ناصر، التي إما دمرت كلياً أو خرجت عن الخدمة بعد نفاد الوقود والمعدات الطبية.
التقارير الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أكدت أن أكثر من 70% من المستشفيات في قطاع غزة باتت خارج الخدمة، إما نتيجة القصف المباشر أو لنفاد الإمدادات. كما قُتل أكثر من 350 من العاملين في القطاع الصحي، من أطباء وممرضين ومسعفين، ما فاقم من شلل المنظومة الصحية وترك الجرحى يواجهون مصيرهم دون رعاية.
حالات البتر أصبحت شائعة، خصوصاً بين الأطفال، في ظل غياب التخدير والعلاج المناسب. كما سجلت المستشفيات الميدانية حالات وفاة لأطفال خدج في الحاضنات بسبب انقطاع الكهرباء.
أما مرضى السرطان والفشل الكلوي وأصحاب الحالات المزمنة، فقد تُركوا لمصيرهم، مع توقف التحويلات الطبية وتعذر إدخال الأدوية.
تقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن الوضع في غزة “كارثي ومخالف لكل القوانين الدولية”، حيث تُمنع سيارات الإسعاف من التحرك، ويُقصف المسعفون أثناء تأديتهم لواجبهم، ما يعد انتهاكاً صارخاً لاتفاقيات جنيف التي تحمي الطواقم الطبية زمن الحرب.
حتى المستودعات الطبية والمخازن التي كانت تضم المساعدات الدوائية قُصفت أو نُهبت في ظل الفوضى، ما ترك آلاف المصابين دون مسكنات أو مضادات حيوية أو أدوات جراحية، وحوّل غرف العمليات إلى أماكن للبقاء لا للشفاء.
البنية التحتية :دمار هائل
تشير بيانات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) إلى أن أكثر من 60% من البنية التحتية في قطاع غزة تعرضت لأضرار مباشرة، بما يشمل شبكات المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق الرئيسية. فالقصف لم يكن عشوائياً بل ممنهجاً، واستهدف الجسور، ومحطات الكهرباء، وخزانات المياه، ومحطات المعالجة.
انقطعت الكهرباء عن غالبية مناطق غزة منذ الأسبوع الأول للعدوان، فيما أعلنت شركة توزيع الكهرباء أن الشبكة قد انهارت تماماً، ولا يمكن إصلاحها دون وقف كامل للعمليات العسكرية. وأدى ذلك إلى توقف خدمات النظافة العامة، وانتشار الأوبئة والروائح الكريهة في الأحياء السكنية ومراكز الإيواء.
كما تم تدمير مئات الكيلومترات من الطرق، ما أعاق حركة سيارات الإسعاف والإغاثة وأجبر الناس على التنقل مشياً في مناطق محفوفة بالموت. بعض العائلات اضطرت إلى حمل جرحاها لأميال على عربات يدوية أو على الأكتاف للوصول إلى مستشفيات مدمرة أو مغلقة.
الخسائر في شبكات المياه كانت فادحة، حيث لم يتبقَ سوى أقل من 5% من السكان يحصلون على المياه النظيفة. كما أن محطات التحلية توقفت عن العمل بسبب نفاد الوقود، ما أجبر السكان على الشرب من مياه الصرف أو آبار ملوثة، وهو ما تسبب بانتشار أمراض الجهاز الهضمي بين الأطفال.
كارثة النزوح والتهجير
أُجبر أكثر من 1.9 مليون فلسطيني في غزة (ما يعادل 85% من السكان) على النزوح القسري من منازلهم، وفق تقارير الأوتشا.وتسببت هذه الظروف القاسية في أزمات إنسانية حادة، خاصة بين الأطفال والنساء والمسنين.
عمليات النزوح هذه لم تكن طوعية، بل جاءت تحت تهديد القصف المباشر، أو نتيجة تدمير البيوت على رؤوس ساكنيها. بعض العائلات نزحت أكثر من خمس مرات منذ بدء الحرب.
مراكز الإيواء التابعة للأونروا تحولت إلى ملاجئ مكتظة تفتقر لأدنى مقومات الحياة، حيث يعيش في بعضها أكثر من 100 شخص في قاعة واحدة، دون ماء أو كهرباء أو خصوصية، في بيئة تسودها الأمراض وسوء التغذية.
ورغم تحذيرات الأمم المتحدة المتكررة من أن “لا مكان آمناً في غزة”، استمرت إسرائيل في إصدار أوامر إخلاء جماعي لمناطق واسعة، خصوصاً شمال القطاع ومدينة غزة، ما جعل السكان يتحركون تحت النار باتجاه الجنوب المكتظ والفاقد هو الآخر للأمان.
ومع تدمير الآلاف من البيوت بشكل كامل، باتت مئات آلاف العائلات بلا مأوى، يفترشون العراء أو يضطرون إلى الإقامة في خيام أو سيارات أو حتى أنقاض منازلهم.
الأمم المتحدة وصفت هذا النزوح بأنه “واحد من أسرع وأكبر حركات التهجير القسري في التاريخ الحديث”، يجري في منطقة مغلقة بالكامل، لا يمكن الخروج منها ولا إدخال مساعدات كافية إليها، ما يُشكّل خرقاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني.
حصار خانق
منذ ما يزيد عن 18 عاماً، يعاني قطاع غزة من حصار خانق فرضته سلطات الاحتلال الإسرائيلي، تفاقم بشكل غير مسبوق خلال الحرب الأخيرة، حيث تحوّل الحصار إلى سياسة تجويع وإبادة بطيئة.
لم يعد الأمر مقتصراً على تقييد حرية الحركة أو منع إدخال بعض البضائع، بل صار يشمل منع الغذاء والماء والوقود بشكل كامل.
وقد منعت سلطات الاحتلال دخول المساعدات الإنسانية لعشرات الأيام، حتى في الحالات الطارئة، ما أدى إلى كارثة في القطاع الصحي والغذائي.
المعابر المغلقة حولت غزة إلى سجن جماعي، حيث لا مجال للفرار من القصف أو الموت.
وقد أُغلق معبر رفح البري – المنفذ الوحيد لأغلب سكان القطاع – لفترات طويلة، ما منع نقل الجرحى للعلاج في الخارج، وتسبب في وفاة عدد كبير منهم بسبب انعدام الرعاية الطبية.
قطع الكهرباء والماء بشكل متواصل عمّق من آثار الحصار، فقد توقفت مضخات المياه، ومحطات التحلية، وتكدست مياه الصرف الصحي في الشوارع، ما أسفر عن تفشي أمراض خطيرة، أبرزها التهابات الكبد والجلد، إضافة إلى الإسهالات الحادة بين الأطفال.
كما تسبب الحصار في انقطاع الإنترنت وشبكات الاتصال، ما حرم الفلسطينيين من حقهم في التعبير والتواصل مع العالم، وأعاق عمل منظمات الإغاثة، ووضع الصحفيين في خطر أكبر، وجعل توثيق الانتهاكات أكثر صعوبة.
الحصار لا يقتل بالصواريخ، بل يقتل ببطء، وبطريقة أشد قسوة. أطفال يموتون جوعاً، مرضى يموتون اختناقاً، ونساء تضع أطفالهن في الظلام الحالك دون قابلات أو أدوات طبية. الحصار اليوم لا يقتصر على المعابر، بل أصبح آلة موت صامتة تخنق كل مظاهر الحياة.
ورغم المناشدات المتكررة من الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، إلا أن المجتمع الدولي لا يزال عاجزاً عن اتخاذ خطوات ملموسة لفك الحصار، بل تواطأ بعض الأطراف الإقليمية والدولية في الإبقاء عليه، ما يطرح تساؤلات خطيرة عن فاعلية النظام الدولي القائم.
المساعدات: شريان الحياة المقطوع
منذ اندلاع الحرب الأخيرة، تحولت المساعدات الإنسانية في غزة من وسيلة دعم إلى معركة سياسية. لقد أُعاقت معظم قوافل المساعدات، أو تم قصفها، أو تمت مصادرتها عند المعابر.
منظمات الإغاثة الدولية وعلى رأسها “أونروا” و”الصليب الأحمر” و”برنامج الغذاء العالمي”، حذّرت مراراً من مجاعة شاملة، لكنها لم تُمنح الضوء الأخضر لإيصال المساعدات بشكل كافٍ.
في الجنوب، وخاصة في رفح وخان يونس، تكدست عشرات الشاحنات في معبر كرم أبو سالم دون أن يُسمح لها بالدخول، بينما يموت الناس في الداخل من الجوع والعطش.
بعض المساعدات التي سُمح بدخولها كانت تُنهب أو تُقصف قبل توزيعها. في أكثر من حالة موثقة، استهدفت طائرات الاحتلال مواقع لتوزيع الخبز أو الطحين، ما أسفر عن سقوط عشرات الضحايا من المدنيين الذين كانوا يصطفون للحصول على كيس طحين.
الأزمة لم تقتصر على المواد الغذائية. المساعدات الطبية أيضاً مُنعت، ما جعل المستشفيات تواجه كارثة مزدوجة: نقص الأدوية ونقص الوقود لتشغيل الأجهزة.
كثير من الحالات المرضية تم تحويلها إلى الموت المحتوم فقط لأن المضادات الحيوية أو مسكنات الألم لم تكن متوفرة.
في غياب ممرات إنسانية آمنة، باتت عمليات الإنقاذ تشبه المهام الانتحارية. عشرات المتطوعين الدوليين والمحليين قتلوا أثناء محاولاتهم إيصال الغذاء والماء للنازحين، في انتهاك صارخ لاتفاقيات جنيف.
ولا تزال الحاجة ماسة إلى ضغط دولي فوري لإنشاء ممر إنساني دائم وآمن، بإشراف أممي مباشر، يسمح بتدفق المساعدات دون عراقيل أو شروط سياسية، لأن استمرار تعطيلها يعني عملياً المشاركة في الجريمة.
تقارير أممية صادمة
منذ بداية التصعيد في أكتوبر 2023 وحتى منتصف عام 2025، أصدرت عشرات الهيئات والمنظمات الدولية تقارير صادمة حول حجم الكارثة في قطاع غزة
من هذه التقارير تقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)، وتقرير منظمة الصحة العالمية (WHO)، وتقرير واليونيسف، وتقرير مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
التقارير وثّقت ما لا يقل عن 158 ألف قتيل وجريح مدني، معظمهم من النساء والأطفال، وأكدت أن أكثر من 70٪ من مباني القطاع قد دمرت أو تضررت، بما في ذلك 70 مستشفى وعيادة، و650 مدرسة ومرفقاً تعليمياً. كما تم تسجيل أكثر من 1.5 مليون نازح داخلي، وهي نسبة تمثل نحو ثلثي سكان القطاع.
تقارير الأمم المتحدة كشفت كذلك عن استخدام الاحتلال لأسلحة محرمة دولياً، مثل القنابل الفسفورية والذخائر المتفجرة ذات الأثر الواسع النطاق في مناطق مدنية مكتظة. وأشارت إلى أن هذه الأفعال قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ورغم الإدانات الدولية المتكررة، لم تُتخذ حتى الآن أي خطوات فعلية للمحاسبة أو الإحالة إلى المحكمة الجنائية الدولية. حيث اصطدمت المطالبات بتحقيق العدالة بحق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن، وتحفظات بعض الدول الكبرى التي وفرت غطاءً سياسياً لإسرائيل.
وبينما تتحدث التقارير عن أرقام وأحداث موثقة، فإن الواقع على الأرض أكثر وحشية مما يمكن رصده، إذ أن كثيراً من الجرائم لم يتم توثيقها بسبب انقطاع الإنترنت وانعدام الأمن. ومن المتوقع أن تكشف الأبحاث المستقبلية عن انتهاكات أكثر فظاعة ارتُكبت بعيداً عن عدسات الإعلام.
ختاما
منذ اللحظة الأولى لاندلاع الحرب في غزة، اتّضح أن هذه المأساة لن تكون كسابقاتها، لا من حيث الحجم ولا من حيث المدى الزمني ولا من حيث البشاعة والهمجية.
فما تشهده هذه الرقعة الصغيرة المحاصرة من العالم تجاوز حدود الحروب التقليدية وتخطّى الخطوط الحمراء لكل القوانين الإنسانية والدولية.
فقد تحولت غزة، وبمعناها الكامل، إلى ساحة إبادة جماعية مفتوحة، تُرتكب فيها كل أشكال الانتهاكات تحت صمت دولي مخزٍ وشلل أممي مريب.
الأطفال قُتلوا أمام أعين أمهاتهم، والعائلات أُبيدت بكاملها، والمستشفيات حُوصرت وقُصفت، والمدارس تحوّلت إلى مقابر جماعية، والمساعدات الإنسانية باتت وسيلة تعذيب إضافية.
كل شيء في غزة مستباح: الحياة، والموت، والكرامة، والذاكرة، والأمل. ولا يبدو أن أحدًا ممن يملكون أدوات القرار في هذا العالم الجائر قد قرر أن يرفع يده ليوقف هذا الجحيم، أو على الأقل ليقول كلمة حق في وجه المذبحة.
العالم يتفرّج، بينما غزة تُنزف حتى العظم. يتحدث القادة عن “حق الدفاع عن النفس”، ويتجاهلون أن أكثر من نصف سكان القطاع هم أطفال، وأن أكثر من 80% من سكانه باتوا بلا مأوى، وأن هناك أكثر من 2 مليون إنسان يعيشون اليوم بين الجوع، والرعب، والمرض، والبرد، والعطش، والحصار، والقصف.
أي دفاع عن النفس هذا الذي يتطلب قتل عشرات الآلاف من المدنيين ومحو المدن عن وجه الأرض؟
إن الكارثة في غزة لم تعد مجرّد مأساة إنسانية عابرة يمكن حصرها في تقارير إخبارية أو بيان أممي أو قلق أوروبي.
نحن أمام انهيار شامل لكل القيم الإنسانية، وسقوط كامل للمنظومة الحقوقية الدولية، وتجريم حقيقي للصمت، لأن الصمت بات شراكة في القتل.
لم تعد الدعوات لوقف إطلاق النار كافية، ولم تعد بيانات الشجب تجدي. ما يجري في غزة يتطلب وقفة تاريخية، وموقفًا أخلاقيًا جامعًا، لا تسويات سياسية باردة فوق أنهار الدم.
في هذا المشهد القاتم، لا بد أن نتذكر أن أهل غزة لا يطلبون المستحيل. إنهم فقط يريدون الحياة، كما قال محمود درويش.
يريدون أن يعيشوا بكرامة، أن يذهب أطفالهم إلى المدارس دون أن يُدفنوا تحت أنقاضها، أن يتلقوا علاجًا دون أن يُقصفوا في أسرتهم، أن يأكلوا، ويشربوا، ويحبّوا، ويناموا دون أصوات الطائرات فوق رؤوسهم. يريدون فقط أن يُترك لهم حق أن يكونوا بشرًا، لا أكثر.
وإذا لم يتحرك الضمير الإنساني الآن، وإذا لم يُحاسب المجرمون اليوم، فستكون هذه الحرب وصمة عار دائمة في جبين هذا العصر، وعلامة بارزة على فشل الحضارة الحديثة في حماية الإنسان من وحشية الإنسان.
غزة اليوم ليست فقط امتحانًا للفلسطينيين، بل امتحانًا للبشرية كلها: إما أن تنتصر لإنسانيتها، أو تنحدر إلى دركٍ سحيق لا خلاص منه.
لقد قلنا في البداية إن هذه الأزمة غير مسبوقة في التاريخ الحديث، وقد أثبتت الأيام أن كل ما بعد غزة لن يكون كما قبلها، وأن كل الصمت فيها قاتل، وكل تواطؤ جريمة.
فما بين الجوع والدم، الركام والألم، الموت والصمود، تكتب غزة اليوم فصلاً جديدًا في سجل الإنسانية… فصلًا من الحزن النبيل، والمقاومة العظيمة، والخذلان العالمي البائس.