عن هجرة الأفارقة عبر اليمن.. طريق محفوف بالموت تحكمه شبكات تهريب عابرة للحدود

الأنباء أونلاين – متابعات
تحول اليمن، البلد الغارق في حرب مستمرة منذ أكثر من عشر سنوات إلى معبر رئيسي للهجرة غير النظامية من القرن الإفريقي باتجاه دول الخليج.
ونظراً للفراغ الأمني الذي سببه انقلاب مليشيات الحوثي الإرهابية ونتج عنه إنهيار لمؤسسات الدولة مما جعل السواحل اليمنية بوابة مفتوحة لشبكات التهريب.
حيث كشف تقرير حديث أصدره مركز الهجرة المختلطة (MMC) عن ملامح صادمة لهذه الظاهرة عبر ما يعرف بـ”المسار الشرقي”، وهو خط بحري يربط بين جيبوتي وسواحل اليمن على البحر الأحمر وخليج عدن.
التقرير اعتمد على أكثر من 1600 مقابلة مباشرة مع مهاجرين وصلوا خلال العامين الماضيين إلى محافظتي لحج وتعز، مقدّمًا صورة نادرة عن ديناميات التهريب وما يعيشه هؤلاء المهاجرون في رحلتهم.
المهرّب.. الحاكم الفعلي للطريق

البيانات التي أوردها التقرير تكشف أن 99% من المهاجرين استخدموا مهرّبين للوصول إلى اليمن، فيما أقرّ معظمهم بأن المهرّب وحده يقرر مكان النزول على الساحل.
المهاجرون ليسوا سوى “حمولة بشرية” تُلقى حيث يختار المهرب بما يضمن له الربح وتفادي الدوريات.
المفارقة المؤلمة أن أكثر من نصف المهاجرين وصفوا المهرّب بالـ”مجرم” الذي يستغلهم، بينما رآه آخرون “مزود خدمة لا بديل عنه”. إنها علاقة قسرية قائمة على الكراهية والاعتماد في آن واحد.
الأدهى أن 79% من المهاجرين أكدوا تعرضهم للتضليل: وعود برحلات قصيرة تتحول إلى أيام من السير في الصحراء بلا ماء أو غذاء، وابتزاز مالي متكرر تحت ذرائع مختلفة.
شهادات شخصية كشفت عن مهاجرين أُلقوا في البحر لعدم قدرتهم على دفع مبالغ إضافية، ما يجعل المهرّب أقرب إلى جلاد يقرر مصير الأرواح بدم بارد.
خريطة نزول مرسومة بالابتزاز

تنطلق الرحلة عادة من مدينة أوبوك في جيبوتي، حيث يُكدّس المهاجرون في أماكن مكتظة أشبه بمستودعات مغلقة بانتظار نقلهم عبر البحر.
لا حرية للخروج، بل انتظار مرير يمتد أيامًا أو أسابيع ريثما يجمع المهربون العدد المطلوب أو يتحصلون على أموال إضافية من عائلات المهاجرين.
بعد عبور البحر، تتوزع نقاط النزول على سواحل لحج (56%)، تعز (39%) وشبوة (5%).
لكن هذه النسب ليست ثابتة؛ إذ تتحكم الشبكات في تغيير المسارات لتفادي خفر السواحل اليمني، ما يجعل المهاجر رهينة قرارات لا يملك بشأنها أي خيار.

سوق سوداء عابرة للقارات
توضح بيانات التقرير أن التهريب في البحر الأحمر لم يعد مجرد نقل أشخاص، بل تحول إلى اقتصاد موازٍ يقوم على الابتزاز المتواصل.
يبدأ المهاجر بدفع مبلغ أولي “مقبول”، سرعان ما يتضاعف عبر دفعات متكررة تُفرض عند كل محطة توقف.
محطات الانتظار في جيبوتي مثل أوبوك ودِخل وتَجُورا باتت مراكز احتجاز غير رسمية حيث يُجبر المهاجرون على طلب تحويلات مالية من أسرهم. التأخير في الدفع يقابله الحرمان من الطعام أو التعرض للعنف.
بهذا النمط، أصبحت شبكات التهريب حلقة مالية تربط القرى الفقيرة في إثيوبيا والصومال بمسارات البحر الأحمر وصولًا إلى اليمن، في دورة استغلال لا تنتهي.
من يعبر البحر؟ أرقام ودلالات
أغلب العابرين عبر المسار الشرقي شباب إثيوبيون تتراوح أعمارهم بين 18 و34 عامًا، يشكّلون نحو 93% من إجمالي المهاجرين، فيما يمثل الصوماليون 7% والبقية من جيبوتي.
دوافعهم واحدة: الفقر، البطالة، النزاعات والجفاف ووجهتهم المفضلة هي السعودية بنسبة 89%، تليها عُمان (10%).
لكن المفارقة أن معظمهم لا يسعى للاستقرار الدائم، إذ أكد 86% أن هجرتهم مؤقتة بغرض جمع المال ثم العودة، بينما لا يتجاوز من يرغب في البقاء 10%.

ورغم أن السعودية تمثل الحلم المؤقت لهؤلاء المهاجرين، إلا أن الواقع يكشف مأساة أكبر: 97% منهم لم يصلوا إلى وجهتهم النهائية، بل وجدوا أنفسهم عالقين في اليمن.
هناك، يتحولون إلى ضحايا جدد في بلد ممزق، بين الاعتقال والترحيل القسري والاستغلال في أعمال شاقة بأجور زهيدة.
أزمة إنسانية وأمنية
يخلص التقرير إلى أن ظاهرة التهريب عبر اليمن لم تعد مجرد مسألة إنسانية تخص المهاجرين فقط، بل قضية أمن إقليمي تمس البحر الأحمر ودول الخليج.
فكل شبكة تهريب تنمو دون رقابة تشكل كيانًا اقتصاديًا موازياً يهدد استقرار المنطقة، فيما يظل آلاف الشباب الأفارقة أسرى طريق موت يُدار بالابتزاز والجشع.