ما لا يخطر ببال الكثيرين
تُعدّ المؤسسات السياسية، في جوهرها، مؤسسات معرفية؛ إذ يفترض بها أن تمتلك قراءات دورية للمشهد السياسي تتسم بالرصانة والعمق المعرفي، وأن تتمتع بالقدرة على تشخيص حركة هذا المشهد، سواء في اتجاهه السلبي أو الإيجابي.
من خلال أدواتها التحليلية وخبرتها التراكمية، يفترض بتلك المؤسسات أن تكون قادرة على تحديد العوائق الحقيقية التي تحول دون حلحلة الأوضاع المعقّدة التي تمر بها بلادنا.
وإذا افترضنا – على سبيل المثال – أن المؤتمر الشعبي العام يُمثّل واحدة من هذه المؤسسات العريقة، باعتباره حزبًا ذا تجربة طويلة، ويضم في صفوفه عددًا كبيرًا من الأكاديميين والباحثين وكوادر الدولة التي خدمت في مناصب حساسة؛ فإن ما يُنتجه هذا الحزب من معرفة حول الأوضاع الراهنة يبدو محدودًا للغاية، ولا يرقى إلى حجم قاعدته الجماهيرية ولا إلى رصيد خبرته السياسية
من المؤسف أن أحد أبرز السلوكيات السلبية في أحزابنا يتمثل في حصر المعرفة، إن وُجدت، داخل نطاق ضيق، دون تعميمها أو تحويلها إلى محتوى متداول داخل البنية الحزبية.
هذا النمط من السلوك يعكس تأثيرات متبقية من العهد الشمولي، ويتناقض جذريًا مع مبدأ جماهيرية المعرفة، في وقتٍ نعيش فيه ما يمكن وصفه بـ”عصر الانفجار المعلوماتي”.
وفي ظل الصراع المعقّد الذي تمر به اليمن حاليًا، فإن غياب الرؤية المعرفية الواضحة لدى التنظيمات السياسية لا يؤثر فقط على الجمهور المحلي، بل يطال أيضًا المراقبين الخارجيين، ممن يلعبون دورًا فاعلًا في المشهد اليمني.
في خطابه بمناسبة الذكرى الـ62 لثورة 14 أكتوبر، أشاد الرئيس رشاد العليمي بالتحولات الاجتماعية التي شهدتها المحافظات الجنوبية، متوقفًا بشكل خاص عند “قانون الأسرة”، الذي ظل لعقود محلّ جدل بين قوى اليمين واليسار، نظرًا لارتباطه المباشر بالنصوص الدينية.
قد يُفهم هذا المقطع من خطاب الرئيس على أنه نوع من المجاملة السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي، الذي يقدّم نفسه كوريث لثوار أكتوبر.
غير أن هذا التفسير يبدو سطحيًا؛ فخطاب كهذا لا يمكن قراءته من منظور المجاملات السياسية التي تنتمي إلى منطق الماضي، بقدر ما يعكس محاولة لتسجيل موقف تجاه تحولات اجتماعية كان لها أثر ملموس.
واقع الأمر أن الرئيس العليمي أشار في خطابه إلى تحولات راديكالية كبرى شهدها الجنوب، مثل تأميم الملكيات الخاصة، وقوانين الإصلاح الزراعي، ليختمها بقانون الأسرة المثير للجدل، وهي كلها تغييرات شكّلت ملامح مرحلة ما قبل الوحدة.
شخصيًا، أرى أن مضمون الخطاب لا يتضمّن بأي حال من الأحوال دعوة للعودة إلى تجربة اليسار، بل يعكس توجهًا نحو التحديث، بمعناه الواسع والمعاصر.
وفي المقابل، لا يزال الإعلام الجنوبي يمارس نقدًا حادًا لتجربة الحزب الاشتراكي خلال فترة ما قبل الوحدة، حيث اتسم النقد بالقسوة على مدار 23 عامًا من حكم الحزب في الجنوب.
وبين هذا النقد الحاد، من جهة، وإشادة الرئيس العليمي، من جهة أخرى، تبرز الهوّة المعرفية التي أشرنا إليها في مستهل هذا المقال.
لقد أنتج هذا التناقض أزمة معرفية وسياسية نعيشها اليوم، حيث يرى جزء من الجنوب أن تجربة الماضي لم تكن سوى مآسٍ وضياع فرص، وهو يتطلع إلى التحديث والرسملة دفعة واحدة.
في المقابل، تعبّر إشادة الرئيس عن اعتراف بأن جزءًا من الجغرافيا اليمنية يواجه تحديات تتعلق بالانتقال نحو الحداثة.
ويبقى السؤال الجوهري: أين تقف الأحزاب السياسية من هذا الجدل؟
وكيف تُترجم هذه القضايا إلى رؤى معرفية داخل برامجها وخطابها السياسي؟
ما يبدو واضحًا – للأسف – هو أن الأحزاب السياسية غائبة تمامًا عن هذا النقاش الحيوي، بل وغائبة عن المشهد برمّته…
—